إطلاق الفاخوري في لبنان وروح "17 أيار" الحيّة

02 ابريل 2020
الصورة

مطالبة بأقصى العقوبة لعامر الفاخوري في بيروت (12/9/2019/فرانس برس)

خلَطَ قرار تبرئة العميل الإسرائيلي، اللبناني عامر الفاخوري، ثم "تهريبه" من لبنان إلى أميركا بطريقة دراماتيكية، كل ما لا يمكن أن تستوعبه خلطة غير متجانسة التكوينات، فتداخلت مفاهيم المقاومة والعمالة في بعضها، وتكسّرت ثوابت، سلَّم الجميع بصلابتها، ليُترَك اللبنانيون مشدوهين أمام صورة دولةٍ عليلةٍ لا تظهر عليها العافية، سوى عندما ترفع الهراوة في وجههم. أما الذين قاوموا المشروع الصهيوني الأميركي في بلدهم، ودفعوا دماءهم لقيامة لبنان العروبي، وناضلوا في سبيل ذلك لإلغاء اتفاق 17 أيار بين لبنان ودولة الاحتلال الإسرائيلي، فقد أحسّوا بأن شبح هذا الاتفاق ما زال يتربَّص بهم، ويُحدِّد، مع الوصايات الخارجية، تفاصيل حياتهم.
وفي ليلة سيطَرَ على أجوائها الخوف من انتشار فيروس كورونا في لبنان، فخَلَت الشوارع والساحات، وتسمَّر الجميع أمام شاشات التلفزة وأجهزة الاتصال الذكية لمتابعة ما يفعله هذا الفيروس القاتل بالبشرية وبأبناء بلدهم، في تلك الليلة، ليلة الأحد، 15 مارس/ آذار الماضي، التي تُعطِّل فيها البلاد، فتُغلِق فيها الدوائر الرسمية أبوابها وتُطفِئ مصابيحها، فتَحَتْ دائرة المحكمة العسكرية في بيروت، باباً موارباً ليلدلف منه بضعة أشخاص على عجلٍ، أضاءوا أكثر الأنوار خفوتاً واتخذوا أماكنهم، وفتحوا مغلَّفاً صوّتوا على القرار الجاهز الذي كان داخله فكانت الغلبة؛ إطلاق سراح المعتقل، عامر الفاخوري، لسقوط التُّهم المسطّرة بحقه، والمتعلقة باحتجاز سجناء لبنانيين في معتقل الخيام الإسرائيلي وتعذيبهم بفعل التقادم. لم تكن هذه الجلسة على جدول أعمال المحكمة في هذه الفترة، بل حُدِّدت جلسة علنية، في 16 إبريل/ نيسان، لمحاكمته، فكان هذا القرار المستعجل الذي استبق تلك الجلسة، والذي ضرب كل شيء، مُدخِلاً البلاد في فوضى تصاريح وتكهُّنات بشأن دوافعه، صبَّت كلها في نتيجة واحدة توصَّل إليها الجميع؛ ثمة طبخة شديدة الوساخة وراء القرار.
تبين فيما بعد أن ضغوطاً مارستها الولايات المتحدة على لبنان، والأفرقاء اللبنانيين، من أجل 
إطلاق سراح هذا المجرم الذي يحمل جنسيتها، والذي يسميه ضحاياه "جزَّار الخيام"، بسبب ما أذاقهم من صنوف التعذيب والتنكيل، وصلت إلى حد قتله اثنين من رفاقهم تحت التعذيب، خلال احتلال الإسرائيليين جنوب لبنان بعد اجتياحهم أراضيه سنة 1982. أما ضغوط واشنطن فلم يتعجَّب منها اللبنانيون المعتادون على تدخلها في الشاردة والواردة في هذا البلد، وعلى تمريرها ما تريد من قراراتٍ وممارسات. أما أن يُبرَّأ الفاخوري، المتعامل مع عدو البلاد؛ العدو الإسرائيلي، في ظل حكومةٍ جديدة سلَّم الجميع بأن لحزب الله وحركة أمل الدور الأكبر في تشكيلها وتسيير أعمالها، فهو ما فاجأ الجميع، بسبب رفع هذين الفريقين شعار معاداة إسرائيل وتحشيد الموالين حولهم بحجته. كما كان مفاجئاً للجميع أن المحكمة العسكرية التي يترأسها قاضٍ يعدُّ من أتباع هذين الفريقين أصدرت القرار الذي يضرّ بصورة لبنان المقاوم التي يُروِّجونها. وقد تبين فيما بعد أن الولايات المتحدة هدّدت بفرض عقوبات على لبنان، وعلى شخصيات حزبية تدور في فلك حزب الله، خصوصاً رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، حليف حزب الله، بتهمة "احتجاز حرية مواطنين أميركيين" في السجون اللبنانية إذا لم يطلقوا سراح فاخوري. وضغط باسيل بدوره على حزب الله للتسريع بالقرار قبل فرض العقوبات، منعاً لضرب مستقبله السياسي داخلياً وخارجياً.
وأيّاً يكن من أمر هذا القرار وحيثياته، فهو لا يدل سوى على أمرٍ واحدٍ، هو ارتهان البلاد للقرارات الخارجية، وتفضيل أفرقائه المصالح على المبادئ في موضوع رضوخ حزب الله لضغوط أميركا الذي يراكم على رصيده السياسي والحزبي، بفضل رفعه شعار الوقوف في وجه مؤامراتها، ومؤامرات حليفها الاحتلال الإسرائيلي، على لبنان وعلى محور الممانعة، كما يردّد في خطابه وأدبياته.
وبجولة على مواقع التواصل الاجتماعي، يمكن ملاحظة أن صورة حزب الله تضررت لدى 
لبنانيين كثيرين من غير المحازبين، والذين لا يزالون يرون فيه رادعاً لخروق إسرائيل، ومقاوماً مشروعها في لبنان، والذين لم يقتنعوا ببيانه المستنكر إطلاق سراح الرجل، جاءت حادثة هبوط مروحية أميركية في السفارة الأميركية في بيروت، بعد أيام من إطلاق سراحه، ونقلته إلى قبرص، ومن هناك أرسل إلى أميركا، ليزداد تضعضع تلك الصورة ويزداد حجم النقد الذي يتلقاه الحزب بسبب هذه الواقعة. ثم عاد كثيرون إلى الكلام عن عهود الوصايات التي تتحكّم بلبنان وقراراته، بل للشك إن كان "اتفاق 17 أيار" الذي عقد سنة 1983، بين الحكومة اللبنانية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي قد ألغي أم أعيد العمل به، لكي يجري التغاضي هكذا عن دخول عميل لإسرائيل الأراضي اللبنانية وتجوله بحرية فيها، ثم إطلاق سراحه بتلك السهولة من دون أن توجَّه له تهمة العمالة لعمله مع جيش الاحتلال، ومكوثه في الكيان المحتل سنواتٍ، إن جرى غض النظر عن جرائمه بحق مواطنين لبنانيين.
راكمت هذه الحادثة على قناعات اللبنانيين الذين لمسوا طواعيةَ نظامهم للخارج، مقابل تحجُّرِه ورفضه تنفيذ مطالبهم المحقة بمحاسبة الفاسدين وإعادة أموال الدولة المنهوبة وتحسين مستوى المعيشة. كما ثبت لهم أن الدولة التي يتحكَّم بها سماسرة الحرب الأهلية، لا غضاضة لديها إن سُمِحَ بدخول عميل إسرائيلي أرض بلادهم من دون توقيف في المطار، ومكث فترةً من دون مساءلة، إلى أن يَكتشف وجودَه من أذاقهم التعذيب في المعتقل. كما أنه لا غضاضة لديها إن انفجرت البلاد بهذه الواقعة؛ إذ لديها الهراوة التي ستوقعها على رؤوس من يحتج، على واقعٍ بلدٍ أصبح للعملاء فيه من يسهر لتسهيل أمورهم.