إضراب المعلمين... مخاوف من تبعات سياسية للاحتجاجات في الأردن

10 سبتمبر 2019
الصورة
تحرّكات المعلّمين مستمرّة (خليل مزرعاوي/ فرانس برس)
+ الخط -

في 3870 مدرسة حكومية في الأردن يتابع نحو مليون ونصف مليون تلميذ وتلميذة تعليمهم، فيما يُقدّر عدد المعلمين بنحو 120 ألف معلم ومعلمة. واليوم، العملية التعليمية معطّلة في تلك المدارس على خلفيّة إضراب المعلمين في البلاد.

تعثّر انطلاق العام الدراسي الجديد في الأردن، بعدما دخل إضراب المعلمين في المدارس الحكومية حيّز التنفيذ نتيجة عدم التوصّل إلى اتفاق بين نقابتهم والحكومة الأردنية حول علاوة لتحسين الظروف المعيشية، وكذلك بعد فشل كل الوساطات التي يبذلها مجلس النواب في السياق. وسجّلت المدارس نسب التزام مرتفعة بالإضراب في خلال اليومَين الماضيَين، في حين امتنع الأهالي بمعظمهم عن إرسال أبنائهم إليها. وأصدرت نقابة المعلمين بياناً توضيحياً بشأن آلية الإضراب، أكّدت فيه أنّه قرار نقابي صادر عن اجتماع رؤساء الفروع وأعضاء مجلس النقابة بالإجماع، وأنّ أعضاء الهيئة العامة كلهم مطالبون بتطبيقه والالتزام به. أضافت النقابة أنّها تلتزم بحماية منتسبيها والدفاع عنهم، طالبة من المعلمين الالتزام بالحضور إلى مدارسهم ومغادرتها بحسب أوقات الدوام الرسمي، وتوثيق ذلك في السجلّ الرسمي أو من خلال البصمة، بالإضافة إلى عدم الدخول إلى غرف الصفوف وتأدية أيّ واجبات وظيفية في أثناء فترة الدوام.

على الرغم من أنّ النقابة أعلنت على لسان نقيبها ناصر النواصرة عدم وجود أيّ أهداف سياسية خلف مطالب المعلمين وحراكهم، وشددّت على أنّ مطالب المعلمين مهنية ولا ترتبط بأيّ طرف سياسي، إلا أنّ المخاوف لا تغيب عن بال السلطات الأردنية ممثلة بالسلطة التنفيذية، الحكومة وأجهزتها، التي تخشى توظيف الإضرابات المطلبية لأغراض سياسية وخلق مناخات تفرض تغييرات تحت ضغط الشارع مثلما حدث في أثناء احتجاجات الدوار الرابع في عام 2017. في ذلك الحين، فُرض الرحيل على حكومة هاني الملقي. واليوم، نسبة كبيرة من الأردنيين تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة، مثل المعلمين، وربما أكثر صعوبة من قبل، بسبب ارتفاع نسبة البطالة وعدم كفاية الدخل، الأمر الذي يغذّي الاحتقان في داخل المجتمع، وسط غياب مبادرات جدية لكسر حالة الإحباط المسيطرة على فئات واسعة من الأردنيين، في ظلّ حكومة عاجزة عن تقديم حلول تمنع تدهور الأوضاع الاقتصادية.

تجدر الإشارة إلى أنّ نقابة المعلمين تطالب بـ"رفع علاوة المهنة 50 في المائة، على رواتب المعلمين الأساسية، باعتبارها حقاً مستحقاً للمعلمين منذ عام 2014، فيما ترفض الحكومة الأردنية رفع النسبة، وتطرح بديلاً وهو المسار المهني، علاوة على الأداء". واعتراضاً على ذلك، قرّرت النقابة الاعتصام، لكنّ وتيرة الاحتقان والتصلب ارتفعت بعدما منعت السلطات الأردنية المعلمين من ذلك يوم الخميس الماضي أمام مقرّ رئاسة الوزراء وتعرّض عدد من المعلمين للغاز المسيل للدموع وللضرب والاعتقال ولما وصفوه بالإهانة. يُذكر أنّ الحكومة الأردنية تقدّر كلفة علاوة المهنة على الخزينة بنحو 112 مليون دينار أردني (نحو 160 مليون دولار أميركي)، فيما تؤكد نقابة المعلمين أنّ المبلغ أقل من ذلك بكثير.




في سياق متصل، شكّل المركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن، يوم الأحد الماضي، فريقاً للتحقيق في شكاوى عدد من المعلمين الذين شاركوا في الوقفة الاحتجاجية السلمية التي نُفذت الخميس، المتعلقة بـ"تعرّضهم لانتهاكات عدّة من أفراد في الأجهزة الأمنية". ومن المتوقّع أن يرسل المركز خطابات عدّة بهذا الصدد إلى الجهات المعنيّة للحصول على إيضاحات.

من جهته، وجّه النقيب النواصرة رسالة إلى المعلمين بعد اليوم الأول من الإضراب، أكّد فيها ضرورة التزام المعلمين جميعاً بدعوة النقابة للإضراب عن العمل إلى حين تحقيق مطالبهم المتمثلة بمنحهم علاوة 50 في المائة ومحاسبة وزير الداخلية وكل المسؤولين عن الاعتداءات التي تعرّض لها المعلمون في أثناء محاولتهم الوصول إلى الدوار الرابع للاعتصام عنده يوم الخميس الماضي.

وفي أوّل تصريح حول الأزمة، قال ملك الأردن عبد الله الثاني، في خلال لقائه شخصيات سياسية واقتصادية وإعلامية تناول معها الشأنَين المحلي والإقليمي، يوم الأحد الماضي، إنّه "يجب أن يكون هدفنا دائماً الحفاظ على مصلحة الطلبة، وهذا الذي يجب أن نركز عليه جميعاً، والوصول له من خلال الحوار المسؤول". وتعليقاً على ذلك، قال المتحدث الإعلامي باسم نقابة المعلمين نور الدين نديم إنّ الجديد في موضوع الإضراب هو "الرسالة التي وجهها الملك عبد الله للجميع بالحوار وتقديم مصالح الطلبة"، معلناً استعداد النقابة للجلوس على أيّ طاولة حوار حقيقية للوصول الى حلّ مرض. وأضاف نديم، في بيان أصدره الأحد الماضي: "نحن نطالب الحكومة بألا تكون متعنتة في الرأي ومصرّة على موقفها، وربط العلاوة بالأداء (...) هنالك ميدان محتقن وناس تشعر بأنّ هيبتها وكرامتها مُسّت وتشعر بالاحتقان"، لافتاً إلى أنّ "الحكومة لم تقدّم اعتذاراً للمعلمين لتهدئة الأجواء". وطالب نديم بـ"عدم التجييش"، إذ إنّ الأمر "يمسّ بالسلم الأهلي، ويجب أن نتحمل مسؤولياتنا الوطنية، فالمرحلة حساسة وخطيرة، وموضوع خلاف مهني آنيّ لحظي يتحول إلى مسألة وطنية كبيرة". 

وفي تصريح مقتضب لـ"العربي الجديد"، يقول المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم وليد الجلاد إنّ "طاولة الحوار هي أساس التفاهم والاتفاق"، مضيفاً أن "وزارة التربية والتعليم تجدد دعوتها للحوار، ونأمل بوجود تطورات جديدة، لتحسين البيئة التعليمة وبما ينعكس بشكل إيجابي على الواقع التعليمي".

مواجهات بين المعلّمين والشرطة في عمّان (ياسر الزيات/ فرانس برس)

من جهته، يقول رئيس لجنة التربية والتعليم والثقافة النيابية، الدكتور إبراهيم البدور، وهو القائم على المبادرة النيابية للوساطة بين نقابة المعلمين والدولة، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الجولتَين الماضيتَين من المحادثات انتهتا بين النقابة والحكومة من دون التوصّل إلى حلول"، لكنّه يتوقّع "مستجدات إيجابية في خلال الفترة القريبة المقبلة". يضيف أنّ "النقابة والحكومة تحت الضغط مع استمرار الإضراب، فأهالي التلاميذ يطالبون بالعودة إلى المدارس والإجراءات التصعيدية والتمسّك بوجهات النظر والتعامل مع الأزمة بمنطق الربح والخسارة لا تصبّ في المصلحة العامة". ويوضح أنّ "ثمّة تصلباً بالمواقف من قبل الجانبَين، فالحكومة لا تريد تقديم أيّ تنازلات ووضع نسبة للزيادة بعيداً عن المسار المهني، فيما تتمسك النقابة بعلاوة قيمتها 50 في المائة. بالتالي، فإنّ المشكلة الأساسية مالية ولو كانت غير ذلك لوُجِدت لها الحلول".

أمّا الباحث في مجال الحقوق الاجتماعية والاقتصادية ومدير مركز الفنيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، أحمد عوض، فيقول لـ"العربي الجديد"، إنّ "ما تقوم به نقابة المعلمين من إجراءات احتجاجية لا يخالف القانون. هم يمارسون حقاً من حقوقهم، ولا يجوز أن تقوم الحكومة بتقييد ممارستهم هذا الحق، ولا يجوز لها أيضاً اتخاذ أيّ إجراءات عقابية لأيّ من قادة النقابة أو المعلمين والمعلمات بسبب مشاركتهم في هذه الاحتجاجات". ويوضح عوض أنّ "العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي صادقت عليه الحكومة الأردنية، والذي ينصّ على حق جميع العاملين في الإضراب عن العمل للدفاع عن مصالحهم وتحسين شروط عملهم، يتقدّم بالتطبيق على القوانين المحلية، وذلك وفقاً لنصوص اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 التي تؤكد سموّ المعاهدات الدولية في التطبيق عند تعارضها مع القانون الوطني لأيّ دولة طرف في معاهدة دولية". يضيف عوض أنّه "بالمنطق النقابي، ما يقوم به المعلمون أمر شرعي لتحسين الدخل، لكنّ الحكومات منذ أكثر من خمسة أعوام لم تستجب للأسف لأيّ مطلب نقابي لتحسين الدخل، بل هي تشجّع القطاع الخاص على التقشّف في الرواتب". ويؤكد عوض أنّ "مثل هذا الإضراب يزيد الاحتقان في الشارع، وعلى الحكومة الاستجابة للمطالب بشكل جزئي أو كلي"، مشيراً الى أنّ "جزءاً كبيراً من المجتمع يتعاطف مع المعلمين لكنّ ثمّة متضررين من الإضراب كالتلاميذ والأهالي وبعض الأطراف الأخرى".



في الإطار نفسه، يقول الكاتب والصحافي الأردني والخبير في الشؤون النقابية، محمد سويدان، لـ"العربي الجديد"، إنّ "إضراب المعلمين الحالي هو من أكبر الإضرابات التي شهدتها البلاد، فعدد أعضاء النقابة نحو 120 ألف معلم"، وهو الأهم والأخطر، خصوصاً أنّه يمسّ كلّ الأسر الأردنية". يضيف أنّ "من يتابع الإضراب واحتجاجات نقابة المعلمين منذ الخميس الماضي يلاحظ عدم تجاوب الحكومة وإصرارها على موقفها. وبينما تتحدّث عن حوار، إلا أنّها لا تقدّم أيّ شيء جديد على أرض الواقع". ويشدّد سويدان على "ضرورة إيجاد حلّ لهذه الأزمة"، متوقعاً أنّ يتمّ ذلك خلال الفترة المقبلة. لكنّه ينتقد "تباطؤ الحكومة لإيجاد الحلول"، مستبعداً "أيّ إجراء حكومي لحلّ النقابة، على الرغم من ميل بعض أطراف الحكومة إلى ذلك، وهو أمر خطير إذا حدث". ويتابع سويدان أنّ "السيناريو الأكثر احتمالاً في خلال الأيام المقبلة هو محاولة الطرفَين وقف التصعيد والجلوس على طاولة الحوار، خصوصاً أنّ مجلس النواب يسعى إلى القيام بوساطة بين الطرفين للخروج من الأزمة الحالية".

دلالات