إضراب الكرامة... قصص مقدسية عن الصمود ومرارة الفراق

20 ابريل 2017
الصورة
فعالية دعم الأسرى المضربين في القدس (العربي الجديد)
+ الخط -
يتذكر الأسير المحرر محمود جدة، وهو من كوادر الجبهة الشعبية، وأحد أبناء الجالية الأفريقية في البلدة القديمة من القدس، سلسلة الإضرابات عن الطعام، التي كان له نصيب من المشاركة فيها على مدى نحو عشرين عاما من الاعتقال المتقطع منذ كان في العشرين من عمره، فيما يشارف الآن على دخول النصف الأول من عقده السادس.

يروي جدة لـ"العربي الجديد"، حكايته مع أول إضراب، والذي يوثق قصة معاناة كل أسير فلسطيني يسعى الاحتلال إلى تجريده من إنسانيته، من خلال ممارساته السادية والقمعية. "كان السجانون في أواسط السبعينيات يرغمون الأسرى على ترميم سياج الحماية المخصص للدروع والدبابات، وكان الشعور بالقهر يتجاوز حدود المعقول، إذ كيف بالمناضل الوطني أن يتحول إلى خادم لآلة القتل ضد أبناء شعبه".

في ساحة الصليب الأحمر، في حي الشيخ جراح شمال البلدة القديمة، وعلى مقربة من تلة تطل على بؤرة استيطانية هناك، شارك محمود جدّة، في فعالية دعم للأسرى المضربين عن الطعام دعا إليها نادي الأسير الفلسطيني، ولجنة أهالي أسرى القدس، وهيئة العمل الوطني، وهي ثاني فعالية تنظم، أمس الأربعاء، منذ أن أطلق الأسرى معركة الحرية والكرامة.

تحدث جدة، عن تجربة أسرى اليوم في إضرابهم الذي دخل يومه الثالث، وعن أوجاع الأسير في هذا اليوم، وقدرته على الاحتمال، "الإضراب يمنحك الصبر وقوة الإرادة، قد تشعر بالغثيان والدوار، وقد يُغمى عليك. لكنك في كل مرة تصحو من دوارك ومن جوعك فتزداد قوة وصلابة، وتشعر أنك لن تهزم".

وشاركت في الفعالية فاطمة بربر، زوجة الأسير المقدسي مجد بربر، والذي يمضي محكومية بالسجن لمدة ثمانية عشر عاما، وله من الأبناء فتى يافع وصبية كانا حين اعتقل طفلين صغيرين.
لم تخف الزوجة، في حديثها لـ"العربي الجديد"، خوفها وقلقها على زوجها الذي طال انتظار حريته. تقول "مرة أخرى ينخرط مجد في إضراب عن الطعام، ليضاف إلى سلسلة إضرابات كان آخرها مشاركته في إضراب الدعم للأسيرين البلبول العام الماضي. حين زرته في سجنه يومذاك مرّ من أمامي ولم أتعرف عليه. لقد خسر من وزنه في ذلك الإضراب أكثر من عشرة كيلوغرامات. واليوم يعود ليشارك من جديد في إضراب نأمل أن ينتهي بانتصار الأسرى وتحقيق مطالبهم".


تشير إلى بكرها الذي بلغ اليوم الثامنة عشرة من عمره، والذي يتهيأ لامتحان الثانوية العامة، ورغم ذلك أصر على أن يشارك في وقفة الدعم للأسرى، ولوالده. "لن نفقد الأمل. أسرانا سيتحررون وسينتصرون بعون الله. وسيعود مجد والآلاف من إخوته ورفاقه إلى أحضان عائلاتهم، طال الزمان أم قصر"، تقول فاطمة بربر.

أما والد الأسير الفتى ليث الحسيني، والمعتقل في سجن مجدو، فقرر أن ينضم إلى فعالية دعم الأسرى، لأنه يدرك أن انضمام الأسرى القاصرين إلى الإضراب ربما يكون واردا إن تطورت الأمور داخل سجون الاحتلال.
يقول والد ليث: "حتى الآن أعفي الأشبال من المشاركة في الإضراب. لكن بالنسبة لليث، فهو يرى أن الإضراب معركة الأسرى جميعا. ولطالما عانت عائلته من مطاردات الاحتلال له، إلى أن ألقي القبض عليه داخل البيت، وحكم بالسجن ثلاث سنوات".

ويضيف: "كانت مطاردته أقسى أيام مرت علينا، فقد حدث ذلك في ذروة هبّة القدس، ونظرا لاضطرار ليث إلى الاختفاء الدائم، كنا كلما حدث هجوم بطعن أو حادث دهس نترقب بقلق وخوف. أما وقد اعتقل الآن، فنحن أيضا قلقون عليه وعلى رفاقه وإخوته من الاحتلال وقمعه نتيجة الإضراب".


وتتجلى إرادة التحدي والصمود والصبر على أوجاع الفراق، لدى منير الزغير، والد الأسير أشرف الزغير، من بلدة كفر عقب شمال القدس، والذي يمضي محكومية بالسجن مدتها ستة مؤبدات.

يقول: "لن يهزم أبناؤنا. سيكسرون عنجهية المحتل وغطرسته. اليوم هم أكثر تصميما على المواجهة والمضي في إضرابهم حتى تتحقق مطالبهم، وهي مطالب عادلة وإنسانية"، ويضيف: "لن نتوقف عند هذه الاعتصامات، وإن تطورت الأمور وساءت أكثر، فسنواجه المحتل في ساحة القضاء الدولي، وفي محكمة الجنايات الدولية. أبناؤنا يتعرضون لعمليات إعدام وموت بطيء، ولن نسمح بذلك".

وبين الجموع المحتشدة، كان والد الأسيرين الشقيقين سيف وزيد الطويل، من مخيم شعفاط شمال القدس، يرفع عاليا صورة نجله زيد المعتقل في مجدو إلى جانب شقيقه سيف. "لقد أصر زيد على الانضمام للإضراب رغم صغر سنه، وطلب مني عدم وضع كانتين له (مستحقات لبقالة السجن). سيف أيضا شارك شقيقه في الإضراب، حيث يعتبران نفسيهما مع سائر الأسرى في معركة واحدة".
وتتنقل والدة الأسيرين الطويل بين جموع أمهات وزوجات الأسرى المقدسيين. ترفع بفخر صورة جمعت نجليها المعتقلين، لتشارك الحضور الهتاف بحياة الأسرى.

ويأمل الناشط علاء الحداد، من سكان حارة السعدية في البلدة القديمة من القدس، وشقيق الأسير المعتقل رجائي الحداد، أن يحقق الأسرى مطالبهم. في كل فعالية دعم وإسناد يحضر علاء للمشاركة، وهو كما عائلته جميعا، ينتظرون تحرر رجائي، العام القادم، بعد أن يكون قد أمضى عشرين عاما في سجون الاحتلال.

وفيما كانت جموع المقدسيين في ساحة الصليب الأحمر تهتف للأسرى وتشد على أيديهم، كانت قوات الاحتلال تعتقل شابا بعد مشادة بينه وبين عناصرها الذين أحاطوا الفعالية وحشدوا لها، كما كان عليه الحال قبل يومين.

"فعاليات الدعم متواصلة"، يقول ناصر قوس، مدير نادي الأسير في القدس، مطمئنا الأهالي على صحة أبنائهم، مشيرا إلى أن نحو 150 أسيرا مقدسيا يشاركون في إضراب الحركة الأسيرة، وهي أعلى نسبة مشاركة من بين المحافظات الأخرى.

أما الناشط السياسي والإعلامي راسم عبيدات، الذي تحدث في الجموع، فأكد أن تهديدات مجرمي الاحتلال وقادته بإعدام الأسرى لن تخيف أحدا، "ستفشل كل المحاولات الهادفة للنيل من عزيمة الأسرى حتى تتحقق لهم مطالبهم العادلة والإنسانية".

في الفعالية قدم أطفال الأسرى الصغار فقرات متنوعة، بينها النشيد الوطني والأغاني الوطنية التي تفاعل معها الحضور، وانضم إليهم نشطاء من مختلف الفصائل والتنظيمات بهتافات الدعم للأسرى، والداعية إلى مقاومة المحتل.