إصرار على مساعدة المهاجرين في كاليه

17 سبتمبر 2020
الصورة
مهاجر يحاول أن يعدّ طعامه بنفسه في كاليه (كيران ريدلي/ Getty)
+ الخط -

تستمر الجمعيات في كاليه بفرنسا، في توزيع الطعام والشراب على المهاجرين، متحدية قرار السلطات بمنعها بذريعة كورونا، غير آبهة بتسجيل مخالفات بحقها

بينما كان عناصر من شرطة كاليه يتجولون وسط المدينة، للتأكد من سريان قرار السلطات بمنع الجمعيات "غير المفوضة" من تقديم الطعام والشراب للمهاجرين، كان ناشطون ومتطوّعون من عدد من هذه الجمعيات يقومون، في الشوارع المجاورة، بإخراج وجبات الطعام وبسكب الشاي والقهوة الساخنين في كؤوس لتوزيعها على المهاجرين. كأنّ هذه الجمعيات لم تجد رداً أكثر حزماً وإصراراً على قرار السلطات من استكمال عملها كالمعتاد. "قامت الشرطة بتوقيع مخالفات بحق ستة من ناشطي الجمعية بتهمة توزيع الطعام والشراب مجاناً على مهاجرين" تقول لـ"العربي الجديد" متحدثةٌ باسم جمعية "سلام"، فضّلت عدم التصريح باسمها. وتضيف: "ننتظر قيام المحكمة بتحديد مبلغ وطبيعة المخالفات. لكنّنا، بجميع الأحوال، مستمرون في عملنا. نجد سبلاً للوصول إلى شوارع في وسط المدينة بالرغم من المنع وبالرغم من ضغوط الشرطة. لا يمكن ترك الناس جوعى وعطشى. منعُنا من تقديم كأس ماء لهم فعلٌ شنيع".

جمعية "سلام" واحدة من الجمعيات التي يستهدفها قرار شرطة المحافظة، الصادر الخميس الماضي، بطلب من عمدة المدينة، ناتاشا بوشار، وبضوء أخضر من وزير الداخلية، وزميل بوشار السابق في حزب "الجمهوريون" اليميني، جيرار دارمانان. يمنع القرار الجمعيات من تقديم وجبات الطعام والشراب للمهاجرين وسط المدينة حتى نهاية سبتمبر/ أيلول الجاري، باستثناء جمعية "لافي أكتيف"، الحاصلة على تفويض للقيام بذلك. وإذا كانت الشرطة قد برّرت قرارها بـ"مواجهة فيروس كورونا" باعتبار أنّ ما تقوم به الجمعيات "لا يحترم تدابير التباعد الاجتماعي"، بحسب ما جاء في بيان لها، فإنّ السيطرة على الوضع في مدينة كاليه تبدو واحدة من أولويات جيرار دارمانان منذ تسميته وزيراً للداخلية، بداية يوليو/ تموز الماضي، إذ بعد أسبوع من تعيينه في منصبه، قام دارمانان بزيارة إلى المدينة والتقى بعمدتها، واعداً إياها بتطبيق ما تطلبه من وضع حد لـ"مشكلة الهجرة" ولما تسبّبه من "تزايد في الاضطرابات" في المدينة، بحسب وصفها. كذلك، أعلن وزير الداخلية، حينها، عن تشكيل خلية استخبارات فرنسية - بريطانية مشتركة للحدّ من توجه المهاجرين من كاليه إلى بريطانيا عبر بحر المانش (القناة الإنكليزية).

يرى بيير روك، من جمعية "يوتوبيا 56"، أنّ قرار منع توزيع الطعام يأتي في سياق هذه الحملة التي تقودها السلطات للتضييق على المهاجرين وعلى الناشطين الذين يقدمون الدعم لهم، وليس في سياق التصدي لانتشار فيروس كورونا. ويضيف لـ"العربي الجديد": "ربط المنع بمكافحة الوباء ذريعة جديدة تخفي السلطات وراءها رغبتَها في تحويل المدينة ومحيطها إلى مكان لا يستطيع المهاجرون البقاء فيه". يتابع: "جمعية لافي أكتيف، وهي الوحيدة الحاصلة على تفويض من قبل السلطات، ليست حاضرة إلّا في نقطتين من أصل سبع نقاط يتجمع فيها المهاجرون، وهي وحدها غير قادرة على تأمين نصف ما يحتاجون إليه من طعام وشراب". ومثل ناشطي "سلام" وأكثر الجمعيات العاملة في كاليه، يرى روك أنّ السلطات تناقض نفسها بنفسها، إذ تبرّر المنع باسم مكافحة الفيروس: "حصر التفويض بجمعية واحدة يعني أنّ المهاجرين سيتجمعون بطوابير كبيرة في مكان واحد أو مكانين، وهو أمرٌ يعاكس تماماً هدف الحدّ من الاختلاط والتجمعات الكبرى الذي تربط السلطات قرارها به".
من جهتها، تشير المتحدثة باسم جمعية "سلام" إلى أنّ اختصار نقاط التوزيع بنقطتين يهدف إلى تفكيك أغلب تجمعات المهاجرين، وإجبارهم على الخروج من حرم المدينة، "إذ تقع نقطتا التوزيع المسموح بهما والتابعتان لجمعية لافي أكتيف بعيداً جداً عن وسط المدينة". وتتكفل جمعية "سلام" بتقديم نحو 600 وجبة طعام يومياً، لا سيما في وسط المدينة، الذي يستهدفه المنع. وهي تعدّ، إلى جانب "لافي أكتيف" و"لوبيرج دي ميغران"، من الجمعيات الأساسية التي تحمل على عاتقها مسألة توزيع الطعام والشراب على المهاجرين، الذين يتراوح عددهم بين 1200 و1400 شخص. أما "يوتوبيا 56"، الناشطة في عدة مدن غير كاليه، مثل باريس وتولوز وليل، فتقدّم الماء والمشروبات الساخنة لنحو 150 مهاجراً كلّ مساء. في منطق تحاصص المهام الذي يحكم عمل الجمعيات الإنسانية في كاليه، تهتم "يوتوبيا 56"، بشكل أساسي، باستقبال الواصلين الجدد إلى المدينة، الذين غالباً ما يوجدون في محيط المحطة، ثم مرافقتهم.

ومثل ناشطي "سلام"، تعرض ناشطون من "يوتوبيا 56"، منذ يوم الجمعة الماضي، لمخالفات سجلتها الشرطة بحقهم بسبب نشاطهم في المدينة. لكنّهم هم أيضاً مصرّون على استكمال عملهم بالرغم من المنع. تقول المتحدثة باسم "سلام" إنّ جمعيتها وجمعيات أخرى تنتظر، قبل التقدم بأيّ طعن، نهاية الشهر الجاري، لترى إن كانت السلطات تنوي تجديد العمل بالقرار الحالي: "مدة القرار المحدودة بـ20 يوماً، والتي تنتهي نهاية الشهر الجاري، تجعل من تحركنا قضائياً أمراً غير ممكن حالياً، إذ ليس في استطاعة المحكمة النظر في الموضوع والبتّ فيه في غضون أيام فقط. لكن إذا جرى تجديد المنع، فلا بد حينها من تقديم طعن أو اعتراض". وللتذكير، فإنّ المحكمة الإدارية في مدينة ليل كانت قد تدخّلت في قضية مشابهة في الأشهر الماضية، فقد أعلنت، نهاية العام الماضي، إبطال تعليمات عمدة كاليه، ناتاشا بوشار، القاضية بمنع توزيع الطعام على المهاجرين في المدينة، مبررة حكمها بأنّ ما قامت به بوشار "ليس من صلاحياتها كعمدة".

المساهمون