إصبع الرئيس المبتور

22 يونيو 2014   |  آخر تحديث: 08:29 (توقيت القدس)

عباس: المستوطنون المخطوفون بشر مثلنا

+ الخط -

يقولون: إن الأطراف المبتورة تظل تفصح عن نفسها بطرق عدة، حتى وهي مبتورة ومفارقة جسد صاحبها، ربما هو ما تبقى منها في الجهاز العصبي، فمثلاً، يمكن أن يشعر المرء بحكّة عنيفة في رجله المقطوعة (هذه فكرة لطيفة عمل عليها ببراعة الروائي الفلسطيني، أكرم مسلم، في إحدى رواياته)، ويظل المرء، كما بطل رواية مسلم، ينادي أولاده، ليحكّوا له رجله، ولاستكمال المشهد العجيب، يحكّ الأطفال الهواء مكان الرجل. ميلان كونديرا، أيضاً، تحدّث عن الإحساس بالأعضاء المبتورة، ولذلك، يسقط مقطوعو الأرجل مراراً، حين ينهضون للمشي.
الأمر، هنا، وعلى مستوى الشعور والإحساس، مخاتل جداً، أي أن وجود العضو المادي، أو غيابه، لا علاقة له بالإحساس، وهذا يقود إلى الشك، حتى في الوجود العضوي لبقية الأعضاء، فما فائدة يد موجودة، من دون أي إحساس يفيد بوجودها؟ وما معنى غياب يد تتواتر الأحاسيس في إثبات وجودها؟ وهذا يفتح المجال للتساؤل عن الشلل، فهل شلل عضو يعني فقدان الإحساس به، وإدراك وجوده مع بقائه المادي؟ أم أن الإحساس بالعضو يبقى دون قدرة على التحكم به؟ كل هذا يمكن أن يقود إلى القول، إن أفضل طريقة للحكم على وجود العضو وحضوره قدرته على القيام بأدواره الاعتيادية، والدور بحاجة للوجود المادي للعضو وللإحساس السليم به. وهذا، تحديداً، ما يقودنا إلى الحديث عن الاصبع المبتور، نسبياً، عند الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وهو السبابة اليسرى، فأبو مازن، أعسر، يستخدم يسراه.
وفي سياق الحديث عن الأدوار، والإحساس السليم بها، يمكن القول، إن سبابة الرئيس مبتورة، ولا تكل الشواهد تشير إلى غيابها الثقيل، وعنوان هذا الغياب حرمان السبابة الطويل من أداء أدوارها التقليدية فلسطينياً، ويغري حرمان السبابة من أدوارها، المتصلة بكل مرحلة تاريخية، بكتابة تاريخ موجز لسبابة الرئيس، قد يتسع ليشمل المشروع كله، يبدأ مع الأدوار الطموحة التي كان يمكن أن تلعبها في شبابها على صلة بالزناد وحلقة القنبلة اليدوية، أيام كانت الثورة الفلسطينية عسكرية، وتحيل إلى الفعل العسكري حصراً.
ثم أدوار التهديد والوعيد في الخطب الحماسية أمام الجماهير الغاضبة، حين تكوّر السبابة على الإبهام، وتشرع الأصابع الباقية للتهديد، أيام التحول إلى مسار سياسي أكثر "واقعية"، ولكن بنَفَس المرحلة الثورية، وضمن شعاراتها، وبقناعة بثنائية غصن الزيتون والبندقية. ثم أدوار كان يمكن أن تكرسها كـ"إصبع اتهام"، يشير إلى مقاعد الإسرائيليين في المحافل الدولية، أو إلى الأفق البعيد غرباً في خطابات مقاطعة رام الله الطويلة، في مرحلة التعويل على الرأي العام العالمي، وإحراج إسرائيل دولياً، وأبو مازن عراب هذه المرحلة المكثفة بالحصول على مقعد عضو مراقب في الأمم المتحدة، إلا أن أيّاً من هذا لم يحصل بكفاءةٍ، تؤكد فعالية السبابة وحضورها.
الحضور الأخير للسبابة، في هذا السياق، كان موجها الى الفلسطينيين أنفسهم في تصريحات صادمة عن اختفاء المستوطنين الثلاثة، والسعي إلى إعادتهم إلى أهلهم. ليس هذا وحسب، بل وضع المصالحة الوطنية رهناً بحياة مستوطنين، وصفهم الرئيس بـأنهم "بشر مثلنا"، وتحميل حركة حماس مسؤولية إنهاء اتفاق المصالحة، ومسوؤلية أي تدمير إسرائيلي للسلطة، على الرغم من عدم تبني "حماس" للخطف، وجرى ذلك كله من دون إشارة، ولو عابرة، إلى الحملة الإسرائيلية غير المسبوقة في احتلال الضفة ليلاً، وتقطيعها نهاراً، منذ اختفاء المستوطنين، أو المرور على عذابات البشر الآخرين، الفلسطينيين.
واستكمالاً لأدوار السبابة، وسعياً إلى حصر أدوارها يبقى "التوقيع"، كدور أساسي غير ممكن من دونها، والتوقيع مفتوح على احتمالات كثيرة، مع كل ما يرتبط به هذا اللفظ بذهن الفلسطينيين من احتمالاتٍ عديدة، وسلبية غالباً.

 

2BB55568-EFEE-416B-934D-5C762181FE7F
عبّاد يحيى

كاتب وباحث وصحفي من فلسطين