إسلاميو تركيا وهجمات باريس: نظرية المؤامرة

إسلاميو تركيا وهجمات باريس: نظرية المؤامرة

15 يناير 2015
الصورة
صحافيون أتراك يتضامنون مع ضحايا "شارلي إيبدو" (فرانس برس)
+ الخط -

تثير حادثة الاعتداء التي تعرضت لها الجريدة الفرنسيّة الساخرة "شارلي إيبدو"، جدلاً واسعاً في تركيا. وفي وقت بدا فيه التيار العلماني متجانساً ومتوافقاً على إدانة الحدث، منطلقاً من مرجعيّاته المختلفة، ومتمسكاً بأنّ الحلّ للتطرف هو العلمانيّة وليس الإسلام المعتدل، أظهر الشارع الإسلامي طيفاً واسعاً من الرؤى تجاه الحادثة. وأجمعت غالبيّة مكوناته على إدانة هجمات باريس، باستثناء جماعة "أجزمندي" الصوفية، التي أقامت صلاة الغائب على من أطلقت عليهم تسمية "المجاهدين" الذي أرسلوا "رسامي الرسوم المسيئة للرسول إلى الجحيم".

وليست هذه الجماعة، بطبيعة الحال، إلا تشكيلاً صغيراً لا ثقل له في الشارع الإسلامي التركي، لكن هذا لا يعني بأنّ المعسكر الإسلامي ممّن تُطلق عليهم تسمية "المسلمين المعتدلين" كانوا كتلة واحدة في رؤية وتحليل الحدث. ولا تغيب نظريّة "المؤامرة" عن قراءة بعض النواب، بينهم النائب عن "العدالة والتنمية" عن مدينة غازي عنتاب، وعضو لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي، علي شاهين، الذي قال إنّ الهجوم ضد "شارلي إيبدو" بدا وكأنّه معدّ مسبقاً و"كأنه مشهد من فيلم".

ويورد شاهين ثمانية أسباب، في تغريدات عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، تدفعه إلى الاعتقاد بأنّ هناك "قوة شريرة تسعى إلى تشويه صورة المسلمين في العالم"، متسائلاً: "كيف يمكن لمشتبه بهم معروفون جيداً، بالنسبة إلى الشرطة الفرنسية، أن يفروا بسهولة في شوارع باريس المراقبة، بشكل جيد، بعد مهاجمة المكتب المحمي من قبل عناصر الشرطة ذاتها؟".
وفي سياق متّصل، يؤكّد الكاتب يوسف قبلان، في صحيفة "يني شفق" الإسلامية والموالية للحكومة التركية، ما ذهب إليه شاهين، بإشارته إلى أنّه "بعد هذه العملية، فإن العنصرية والإسلاموفوبيا والعداء تجاه المسلمين سيصل إلى ذروته، وعندها ستبدأ ملاحقة المسلمين". ويعرب عن اعتقاده أيضاً بأنّ "هذه الهجمة مدبّرة مسبقاً وتم التخطيط لها من قبل الدولة العميقة في فرنسا". ويذهب إلى حدّ القول: "إنها حرب صليبية معاصرة أخرى ضد الإسلام".

ولم تعجب هذه التصريحات الكثير من الكتّاب والمثقفين، الذي يعدون أنفسهم من التيار الإسلامي الليبرالي الذي يسعى إلى طرح فهم معاصر لدور الإسلام السياسي في إطار الدولة الحديثة، ومنهم الكاتب المعروف مصطفى أيكول، صاحب كتاب "إسلام دون تطرف". يعتبر الأخير، في مقال بعنوان "نظريات المؤامرة عند المسلمين المعتدلين"، نشرته صحيفة "حرييت" التركية، أنّ "الحديث عن نظرية المؤامرة أصبح أمراً شائعاً جداً بين من يطلق عليهم الغرب اسم المسلمين المعتدلين، أي أولئك الذين يواجهون الإرهاب باسم الإسلام، لكنه أمرٌ غير جيد أن تصرّ على نظريّة المؤامرة الغربيّة بدلاً من أن تواجه المشكلة".
ويتابع أيكول: "سيحدثك هؤلاء عن التاريخ الاستعماري للقوى الغربيّة، عن عدم شرعيّة "الحرب على الإرهاب"، عن أنّ دعم النزعة العسكريّة الإسرائيليّة الذي شكّل أحد الأسباب الجذريّة للتشدّد الإسلامي، إن هذا كلام محق ومهم، لكن تخيُّل الغرب صانعاً وحيداً لجميع ذنوب المسلمين شيء آخر، إن هذا الأخير هو الوهم الذي يتشارك به المسلمون جميعاً للتملّص من فكرة انتقاد الذات وتحمّل المسؤوليّة".

في موازاة ذلك، ينتقد الكاتب المعروف في جريدة "زمان" التركية، الموالية لحركة الخدمة، عبد الله بوزكورت، ما يصفه بـ"المانشيتات الاستفزازيّة" حول نظريّة المؤامرة، التي أطلقتها الصحف الموالية للحكومة، متهماً إياها "بمنح العذر عبر هذه المانشيتات لمرتكبي هذه العمليّة الإرهابيّة".

وعلى الرغم من التباين في المعسكر الإسلامي التركي، برزت أصوات إسلامية مؤثرة، تدعو إلى الادانة الصحيحة من قبل المسلمين لهذه الاعتداءات، ومنهم الرئيس التركي السابق، وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، عبد الله غول، الذي أكد، في بيان تعقيباً على الاعتداءات، أنّ "هذه وقبل أي شيء، ليست إلا هجمات إرهابية يجب أن تدان بشدة". ويرى أنّه "علينا أن نُري هؤلاء، أيّ القاعدة، أنه لا علاقة لهم بالإسلام، وبأننا لسنا متعاطفين معهم، مهما حدث".

وفي الإطار ذاته، يدعو رئيس إدارة الشؤون الدينية، الذي يعيّن أئمة المساجد ويراقب أنشطتهم في تركيا، محمد غورمز، المسلمين إلى "إدانة هذه الأعمال بغض النظر عن الأسباب التي تقف وراءها". ويشدّد على أنّه "لا يمكن لمسلم الردّ على عدم احترام النبي محمد بهذه الأساليب البشعة"، معتبراً أنّ "هذه الهجمات تم تنفيذها ضد الإنسانية جمعاء وضد قيم السلام، سواء أكان فاعلها متديناً أم لا، أو كان مسلماً أم لا".
ويرى بعض المراقبين أن من إحدى النتائج الإيجابية القليلة التي سببتها اعتداءات باريس في تركيا هو إثارة هذا الجدل الواسع، وإعادة النظر الذي أثارته حول الإسلام السياسي، سواء المعتدل أو المتطرف، والذي من المرجح أن ينمو بشكل أكبر في الأيام المقبلة.

المساهمون