إسرائيل وساسة كردستان: تحالف الأقليات

إسرائيل وساسة كردستان: تحالف الأقليات

25 اغسطس 2015
الصورة
قوميو تركيا ضدّ الدعم الأميركي والإسرائيلي للأكراد(أدم ألتان/فرانس برس)
+ الخط -

لم يأت التقرير الذي نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" أمس، حول كون 75 في المائة من النفط الإسرائيلي، مستورد بالأساس من شمال العراق، عبر كردستان، بشيء جديد أو مفاجئ، باستثناء أنه سلّط الضوء على شبكة العلاقات المتينة بين ساسة كردستان العراق من جهة، والاحتلال الإسرائيلي من جهة ثانية، والتي وضعت أسسها في خمسينيات القرن الماضي بعد قيام الكيان الإسرائيلي وبحثه عن حلفاء في المنطقة.

منذ تلك السنوات اعتمدت إسرائيل مبدأ أساسياً في سياستها شرق الأوسطية، يقوم على بناء تحالفات "أقلياتية"، دينية وعرقية، مناهضة لتطلعات وسياسات الدول والشعوب العربية، وتأجيج الفوارق بين "أبناء الأقليات" كما في حالات سورية ولبنان والعراق ومصر، وحتى داخل أراضي 48 وبين الغالبية الإسلامية. أما الهدف فهو تعزيز قوى داخلية، وإحداث بذور شقاق وتنافس يمكن استغلالها في ساعة الصفر ضد أنظمة وحكومات هذه البلدان.

والحال هذا سرى أولاً على الأكراد. وفي هذا الإطار، سبق للصحف الإسرائيلية أن كشفت في العام الماضي عن دور رئيس الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد" السابق، أرييه عميت، في بناء العلاقة الاستراتيجية مع شخصيات كردية في سنوات السبعين. وأشار لهذه العلاقة أيضاً كل من رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي في حرب لبنان، رفائيل إيتان، في كتاب مذكراته، وعضو الكنيست السابق المحسوب على اليسار الإسرائيلي، لوبا إلياب، الذي نشط في المناطق الكردية في أوائل الثمانينيات.

اقرأ أيضاً:
كتاب إسرائيلي يتحدث عن دور كردي بتهجير يهود العراق

وكانت القاعدة في تعامل إسرائيل مع دول المنطقة تقوم على تعزيز والسعي لإقامة علاقات مع كل بلد غير عربي، بدءاً من إيران شرقاً، وحتى تركيا شمالا، فيما لم يترك رسل "الموساد" والوكالة اليهودية يوماً العراق بعيداً عن نشاطهم. وتجولوا فيه بحرية، خصوصاً أنّ هؤلاء الرسل والعملاء كانوا من أبناء العراق اليهود الأصليين الذين هاجروا إلى فلسطين، أو تم تجنيدهم داخل العراق، وعبر محطات مختلفة من تاريخ العراق.

وشكل أكراد العراق في سنوات الخمسين ركيزة مهمة في هذه السياسة الإسرائيلية. وشهدت الفترة الممتدة بين 1965 و1975 ذروة في علاقات التعاون بين الطرفين،عندما قدمت إسرائيل سرّاً معونات عسكرية للأكراد، وأقامت مخيمات تدريب لعناصر البشميركة الكردية وساعدت في بناء جهاز الاستخبارات السرية للأكراد" برستين"، ناهيك عن تقديم المساعدات "الاجتماعية  والإنسانية"  كالمساعدات الطبية، وهي نشاطات رافقتها طيلة الوقت حملات لتهجير وجلب ما تبقى من يهود في العراق، وضمنهم الأكراد، إلى فلسطين.

في المقابل حصلت إسرائيل من سياسيي العراق الأكراد على معلومات استخباراتية مفيدة، مستفيدة من كونهم مواطنين عراقيين انخرطوا في جهاز الدولة ووصلوا إلى مفاصل في الحكم والمجتمع العراقي، وبطبيعة الحال تقديم المساعدات لتهريب اليهود العراقيين إلى فلسطين.

وقد انقطعت هذه العلاقات وشابها نوع من الفتور في أواسط السبعينيات، خصوصاً لعدم تدخل الأكراد في عرقلة حركات الجيش العراقي إبان وعشية حرب تشرين في عام 1973، علماً بأن السياسيين الأكراد كانوا، في ذلك الوقت، يقيمون علاقات مع جهة ثالثة بفضل التعاون مع إسرائيل وهي إيران الشاه التي استعانت بدورها بأكراد العراق لضرب نظام البعث العراقي، حتى التوصل إلى اتفاق تعاون إيراني عراقي، هو اتفاق الجزائر في عام 1975، الذي غير كلياً من وجه وطبيعة التعاون الكردي الإسرائيلي.

وفي مقابل علاقات التعاون مع ساسة العراق الأكراد، فإن إسرائيل أقامت علاقات عكسية مع أكراد تركيا، نتيجة سنوات التعاون والتحالف بين تركيا وإسرائيل، خصوصاً أن تركيا كانت أول دولة إسلامية، الوحيدة عملياً حتى معاهدة السلام مع مصر، التي كانت لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

 صدّ "داعش"

وعلى مدار سنوات الثمانينيات والتسعينيات، خلال حرب الخليج الثانية وتالياً بعد غزو العراق وسقوط نظام البعث العراقي، شكلت المحافظات الكردية في الشمال مقصداً آمناً لموفدي إسرائيل، الذين زاروا المناطق الكردية وعززوا التعاون مع سياسيين أكراد، مستغلين التأييد الرسمي الدائم للأكراد ضد الرئيس العراقي الراحل، صدام حسن، والحملات التي شنها ضدهم.

وبعد اندلاع ثورات الربيع العربي، وتراجع سلطة النظام المركزي في العراق في المحافظات الكردية، استؤنفت المساعدات الإسرائيلية للأكراد في العراق، وبلغ التقارب بين الطرفين أوجه مع إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في 29 يونيو/حزيران من العام الماضي، أن إسرائيل تؤيد إقامة دولة كردية مستقلة في شمالي العراق.

اقرأ أيضاً:
أربيل تطلب مساعدة تل أبيب لدعم الانفصال

وعلى الرغم من أن الموقف الإسرائيلي الجديد يقوم عملياً على نفس القاعدة التقليدية بتعزيز العلاقة مع الأقليات والدول غير العربية في المنطقة، غير أنه يسعى بموازاة ذلك إلى توظيف القوة العسكرية للأكراد، خصوصاً في قتالهم تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، لوقف زحف التيارات المتطرفة المسلحة، بما ينسجم مع خريطة التهديدات المعلنة إسرائيلياً بشكل ثابت، والتي تضع الخطر الإيراني الشيعي والخطر المتطرف في صدارة التهديدات للسلم العالمي والإقليمي.

وإضافة للفائدة الاقتصادية، التي تجنيها إسرائيل من النفط الكردي، فإن الأكراد يشكلون بنظر إسرائيل حليفاً إقليمياً مهماً ليس فقط في صدّ "داعش"، وإنما أيضاً كرأس حربة في العمق العربي، وتحديداً في المنطقة المتاخمة بين العراق وسورية.

اقرأ أيضاً: أمل إسرائيلي بـ"استغلال فرصة" تقدّم أكراد سورية

المساهمون