إسرائيل تلوح بقضم "الوصاية الأردنية" لضبط الرد على الضم

02 يونيو 2020
الصورة
ترويج لمنح الرياض دوراً بإدارة الأماكن المقدسة(أحمد غرابلي/فرانس برس)

كثفت إسرائيل في الأعوام الأخيرة، وتحديداً منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه على عرض "صفقة القرن"، من مساعي الضغط على عمان، لجهة تأمين موافقة أردنية تلقائية دون تحفظ على خطة ترامب، ورفض أي موقف أردني يعتمد أو يشترط القبول الفلسطيني بالخطة، كمدخل لقبول الأردن بها واعتمادها.

وسعت إسرائيل، تحت ولاية حكومة بنيامين نتنياهو السابقة والجديدة، لتعزيز الخط نفسه الذي اعتمدته لجر دول خليجية للتعاون معها، في مواجهة عدو مشترك، حددته إسرائيل بأنه إيران. لكنها أضافت في السياق الأردني أيضاً تنظيم "داعش"، مع الترويج لسيناريوهات مختلفة بأن إضعاف التعاون الأمني بين الأردن وإسرائيل، من شأنه أن يهدد أيضاً أمن الأردن ويجعله عرضة لوصول قوات "داعش"، بما يهدد استقرار المملكة، وربما أيضاً بقاء الأسرة الهاشمية، وأن يكون الملك عبد الله الثاني آخر من يحكم باسم هذه الأسرة.

في المقابل، وبموازاة ذلك مارست إسرائيل ضغوطاً دبلوماسية وسياسية واقتصادية مختلفة على الأردن، في كل مرة توترت فيها العلاقات بين الطرفين، ولوحت بمسألة فقدان الاستقرار من جهة، وضرب "الشرعية الأردنية"، وتحديداً شرعية الأسرة الحاكمة، من خلال مساعٍ لإضعاف الوصاية الأردنية على الأماكن المقدسة في القدس المحتلة، والتي كان قد تم تأصيلها في اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية في وادي عربة، وحتى التلويح بتغيير مسار الحج لفلسطينيي الداخل من انطلاقه عبر عمان، إلى جعله مباشراً من مطار بن غوريون إلى السعودية دون حاجة للعبور بالأراضي الأردنية.

وتهدف هذه الخطة أيضاً لضرب وإضعاف ارتباط فلسطينيي الداخل في مسار الحج حتى بالأوقاف الفلسطينية والأردنية، عبر الاكتفاء بمصادقة وزارة الداخلية الإسرائيلية على طلب أي مسلم من فلسطينيي الداخل يريد أداء الحج، ومنحه التأشيرات الضرورية للقيام بهذا الأمر انطلاقاً من مطار بن غوريون إلى السعودية، دون حاجة للأردن. وفي هذا السياق أيضاً، وربما إكمالاً له، نشرت صحيفة "يسرائيل هيوم"، الموالية لنتنياهو، أمس الإثنين، تقريراً عن الاتصالات السعودية الإسرائيلية لمنح الرياض دوراً في "إدارة الأماكن المقدسة في القدس المحتلة"، بالإضافة إلى وصف قرار الحكومة الأردنية، في فبراير/ شباط 2019، بتعديل عدد أعضاء مجلس الأوقاف الإسلامية في القدس من 11 إلى 18 عضواً، باعتباره تغييراً في الموقف الأردني التقليدي.


وكان اللافت في التقرير، الذي نشرته الصحيفة الإسرائيلية، أنها اعتمدت أساساً على ما سمّته مصادر دبلوماسية سعودية لم تسمها، تحدثت عن تغييرات في الموقف الأردني، وسعي لمواجهة ما تدعيه دولة الاحتلال تعاظم الدور التركي في القدس المحتلة، وموافقة الأردن على إجراء تغييرات في مجلس الأوقاف الإسلامية في القدس المحتلة. وادعى دبلوماسي سعودي، بحسب "يسرائيل هيوم"، أن الأردن كان حتى قبل بضعة أشهر يرفض أي تغيير في مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في القدس المحتلة، وأن التغيير الأخير في الموقف الأردني "يأتي على أثر الدور التركي المكثف في القدس المحتلة، وفي المسجد الأقصى على نحو خاص".

وادعت الصحيفة نقلاً عن "مصادر دبلوماسية سعودية" أن الحديث يدور عن اتصالات حساسة وسرية دارت بسرية وبوتيرة منخفضة، من خلال طاقم مقلص من الدبلوماسيين والجهات الأمنية رفيعة المستوى والولايات المتحدة والسعودية كجزء من مساعي الدفع بخطة ترامب ونتنياهو. وأضافت الصحيفة أيضاً على لسان دبلوماسي سعودي أن الأردن أبلغ إسرائيل والولايات المتحدة أخيراً بأنه سيكون مستعداً لقبول ضم مندوبين سعوديين إلى المجلس. ولعل ما يثير الشكوك أكثر في تقرير الصحيفة الإسرائيلية قولها إن الأردن وافق أخيراً على إجراء تعديل على المجلس، في الوقت الذي أجريت التغييرات في عدد أعضائه، بموافقة الحكومة الأردنية، منذ العام الماضي.

ويأتي النشر في الصحيفة المعروفة بارتباطها برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو كاستمرار لتقارير سابقة لمّحت فيها إلى أن الأردن كان قد وجه رسائل ضمنية غير مباشرة بأنه لن يتخذ خطوات فعلية ضد قرار الضم الإسرائيلي لغور الأردن، خلافاً لموقفه المعلن ولتصريحات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي. ويبدو أن نشر التقرير يأتي في هذا التوقيت بالذات في محاولة للتلويح بورقة الوصاية الأردنية، وسحب إسرائيل لاعترافها بالمكانة الحصرية والخاصة للأردن في رعاية الأوقاف الإسلامية والمحلية في القدس المحتلة، كجزء من الضغوط التي يحاول نتنياهو ممارستها ضد عمان، ولا سيما أن رئيس الحكومة الإسرائيلية يبدي عدم اهتمام بالموقف الأردني، بالرغم من تحذير المؤسسة العسكرية والأمنية في إسرائيل من تداعيات خطوة الضم على العلاقات مع المملكة ومستقبل اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية.

وفيما تتجنب الحكومة الأردنية عادة التعليق على التقارير الصحافية بشكل رسمي، فقد رأت مصادر أردنية رفيعة المستوى أن صحيفة "يسرائيل هيوم" تعمل كما الصحافة الصفراء. ووصفت المصادر، لـ"العربي الجديد"، المعلومات المنشورة حول مجلس أوقاف القدس بأنها بالون اختبار، ومحاولة لخلق خلافات بين الأطراف المناهضة لضم الأراضي الفلسطينية. وكان مجلس الوزراء الأردني قد وافق، في فبراير 2019، على إعادة تشكيل مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في القدس بتركيبة موسعة، حيث ارتفع عدد الأعضاء من 11 إلى 18. وقال رئيس المجلس عبد العظيم سلهب، وقتها، إنها خطوة تهدف إلى تعزيز صمود المقدسيين والتفافهم حول المسجد الأقصى.

وقال الخبير في الشؤون الإسرائيلية أيمن الحنيطي، لـ"العربي الجديد"، إن كل المعطيات تؤشر إلى أن الأوضاع تمرّ بفترة حساسة وحرجة، مضيفاً أن صحيفة نتنياهو والممول الأميركي شيلدون إيدلسون تزيد من جرعات سمومها، وكعادتها تحاول دق الأسافين بين الأطراف العربية وتركيا حول المسجد الأقصى والقدس، عبر بروباغندا صهيونية رخيصة. وأوضح أنه قبل أسبوع نشرت الصحيفة تقريراً حول موافقة أطراف عربية على ضم أراضٍ فلسطينية، وبعد ذلك نشرت قنوات ووسائل إعلام عبرية تكذيباً لهذا الأمر، لافتاً إلى أن صحيفة "يسرائيل هيوم" توزع مجاناً، حتى تستحوذ على الرأي العام الإسرائيلي، وهي أحد ملفات الفساد المتورط بها نتنياهو.

تعليق: