إسرائيل تاجرت بـ"الهولوكوست" وأهملت الناجين

23 ابريل 2015
الصورة
الناجون من "المحرقة" يعانون الفقر والجوع والإهمال (فرانس برس)
+ الخط -

لا تترك الصهيونية فرصة أو منبراً من دون توظيف "المحرقة النازية" و"إبادة اليهود" خلال الحرب العالمية الثانية، إلا تستغلها لتدعيم وتبرير جرائمها ضد الشعب الفلسطيني وضد الأمة العربية ككل، ولبسط سيطرتها وهيمنتها وتفوّقها النوعي والعسكري على دول المنطقة. وتشهد إسرائيل إضافة إلى كل ذلك، في كل عام في أسبوع "إحياء ذكرى المحرقة النازية"، مهرجاناً سنوياً يتم فيه توظيف "المحرقة النازية" لمزيد من التعنت الإسرائيلي ووصف الاحتلال بأنه دفاع عن النفس.

ولم تتوقف إسرائيل يوماً عن المتاجرة بعذاب ومعاناة من نجوا من "المحرقة النازية" والترويج لخطر إبادة جديدة لليهود، في الوقت الذي تتواتر فيه التقارير داخل إسرائيل عن إهمال حكومات الاحتلال المتعاقبة، لمصير من نجوا من "المحرقة النازية"، وتركهم بحسب التقارير الإسرائيلية نفسها، يعانون الفقر والجوع والوحدة والإهمال.

وكعادتها، نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية على مدار الأسبوع الماضي، تقارير مفصّلة حول حالة الناجين من المحرقة ممّن يعيشون في إسرائيل، مع تطرّقها لأول مرة إلى طبيعة تعامل "اليشوف"، وهو المجتمع الصهيوني في فلسطين قبل النكبة وقبل إقامة إسرائيل، مع اليهود الذين نجوا بعد الحرب العالمية الثانية ووصلوا إلى أرض فلسطين.

وفي هذا السياق، فضح برنامج خاص بثته القناة التعليمية الأسبوع الماضي، مدعماً بشهادات بعض الناجين، أن مجتمع المستوطنين الصهاينة في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية وقبيل النكبة، وخلافاً للدعاية الصهيونية الرائجة، لم يستقبل برحابة صدر الناجين الفارين من براثن النازية، بل إن التعامل معهم كان مشبعاً بالازدراء والرفض لكونهم جاؤوا إلى فلسطين مرغمين، بعد الحرب وهرباً من ويلاتها، ولم يسارعوا قبل الحرب وقبل صعود النازية إلى الانضمام إلى الحركة الصهيونية بشقيها العمالية والتصحيحية، كما لم يشاركوا في "احتلال الأرض" وبناء الدولة العتيدة، بل شكّلوا في واقع الحال عبئاً على "اليشوف" بفعل أوضاعهم الاقتصادية وحالتهم الصحية والنفسية.

وعلى الرغم من "استيعابهم" في فلسطين، إلا أن هؤلاء الناجين ظلوا في واقع الحال، وتحديداً من لم ينضم منهم لركب الدعاية الصهيونية والسياسة اليمينية، كما فعل مثلاً الوزير السابق تومي لبيد، الهنغاري الأصول، والصحافي ناحوم كليغر، وآخرون، ظلوا على هامش المشروع الصهيوني في إسرائيل.

وبحسب التقارير الإسرائيلية التي نُشرت الأسبوع الماضي وآخرها مقالة لرئيس واحدة من جمعيات كثيرة ترعى الناجين من المحرقة يدعى نيسيم تسيوني، فإنه يعيش في إسرائيل اليوم 190 ألف ناجٍ من "المحرقة"، منهم نحو 40 ألفاً لا يزالون يعيشون تحت خط الفقر ويفتقرون للعلاج اللازم بفعل حالتهم الاقتصادية.

في المقابل، أظهر تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت" أن إسرائيل الرسمية قسّمت الناجين من "المحرقة" إلى فئتين أساسيتين، جعلت لكل منها مخصصات وتعويضات مختلفة عن الأخرى، الأولى وتضم 100 ألف يهودي يُعتبرون ناجين مباشرين من ويلات معسكرات الإبادة، والثانية تضم حتى اليوم 90 ألفاً اعتُبروا ناجين من الدرجة الثانية ممّن فروا خلال الحرب وقبل الوصول إلى معسكرات الإبادة وأفران الغاز.

اقرأ أيضاً: نتنياهو يعيد استغلال عقدة الذنب الأوروبية لأهداف داخلية

إسرائيل "أتت" على التعويضات الألمانية

لكن من أكثر ما يثير غضب "الناجين من المحرقة" وهم يعانون الفقر والجوع والمرض في إسرائيل اليوم، هو سيطرة دولة الاحتلال وحكومتها منذ العام 1952 على نحو 3 مليارات مارك ألماني هي أموال "معاهدة التعويضات" التي أبرمها مؤسس دولة الاحتلال ديفيد بن غوريون مع المستشار الألماني كونراد أيدناور، وتعهدت ألمانيا بموجبها بدفع تعويضات للناجين، عدا عن التعويضات العامة التي دفعتها ألمانيا منذ ذلك العام ولغاية اليوم لحكومات إسرائيل. والأسوأ من ذلك أن الناجين الذين هاجروا بعد سقوط النازية وانتهاء الحرب لدول أجنبية غير فلسطين، تلقوا تعويضاتهم كاملة ولم ترد أي تقارير عن تدهور أحوالهم إلى حافة الفقر، وما دون خط الفقر، كما في حالة من وصلوا إلى فلسطين ويعيشون في إسرائيل.

وقد أرغم الضغط الشعبي الذي مارسه الناجون ووسائل الإعلام الإسرائيلية في العام الماضي، حكومة بنيامين نتنياهو إلى الإعلان في 12 أبريل/ نيسان من العام 2014 عن خطة مساعدات بقيمة مليار شيكل (نحو 255 مليون دولار)، تُدفع لمن تبقّوا على قيد الحياة، وغالبيتهم ممّن تراوح أعمارهم بين 80 و83 عاماً. مع ذلك بيّن تحقيق لموقع "واينت" الأسبوع الماضي، ومقالة نيسيم تسيوني، في موقع "معاريف"، الثلاثاء، أن الحكومة رصدت في الواقع 700 مليون شيكل (نحو 178 مليون دولار)، وليس ملياراً، كما أن التعقيدات البيروقراطية والمقاييس المتشددة في دفع هذه المخصصات تحول دون وصولها للناجين المحتاجين حقاً، فيما يموت في كل عام نحو ألف منهم بفعل تقدمهم في السن.

وأظهر التحقيق مثلاً، أنه ليس كل من يثبت أنه ناجٍ من المحرقة يحصل مباشرة على التعويض والمساعدة، خصوصاً إذا صرح أنه تمكن من الفرار أو البقاء على قيد الحياة لانتحاله هوية زائفة، يفقد حقه بالمخصصات التي تدفعها وزارة المالية الإسرائيلية، كما حدث لسيلفيا سيمينوفيتش التي صرحت بأنها تمكنت من البقاء على قيد الحياة وزوجها بمساعدة هوية مزيفة، الأمر الذي حرمها من مخصصات للعلاج.

قلق من نسيان "المحرقة"

في المقابل، فإن ما يبدو أنه يثير حقاً قلق ومخاوف الحركة الصهيونية وحكومات إسرائيل، هو اعتقاد الكثير من الإسرائيليين، وفقاً للاستطلاعات الأخيرة، أنه سيتم نسيان أمر "المحرقة" من الذاكرة الجماعية في إسرائيل كما في باقي أنحاء العالم. وتزامن هذا مع دعوات داخل إسرائيل لإلغاء مراسم إحياء "المحرقة" بدعوى أن من عايشوها لن ينسوا ومن لم يعايشها لا تهمهم، وفق ما ذهب إليه أريئيل روبنشتاين في "هآرتس" الأسبوع الماضي.

في المقابل، تواصل حكومة إسرائيل ووزارة التربية والتعليم تحديداً، فرض موضوع "المحرقة النازية"، وتبيّن هذا الأسبوع أن تعليمات لإحياء هذه المراسم قد تم تعميمها على رياض الأطفال، وهو ما أثار حفيظة وغضب أهالي اعتقدوا أن فرض هذه المراسم على أطفال في سن مبكرة أمر خطير للغاية، وهي خطوة وصفتها عليت كارب في "هآرتس"، الأسبوع الماضي، بأنها دليل آخر على "الوثنية الإسرائيلية الجديدة". في المقابل، تواصل الوزارة التمسّك بالبرنامج الجديد إلى جانب تشجيع الرحلات الصهيونية إلى معسكر الإبادة أوشفيتس لوفود من المدارس الإسرائيلية، بكلفة باهظة، والتي يشارك فيها عادة الرئيس الإسرائيلي ورئيس الكنيست ورئيس أركان الجيش ووزراء من الحكومة الإسرائيلية لإثبات "انتصار الصهيونية" على النازية وزرع العلم الإسرائيلي في بولندا مع تكرار تحريك عقدة الذنب الأوروبية تجاه اليهود.

اقرأ أيضاً: يهود أوروبا يرفضون دعوة نتنياهو وينتظرون الثمن

المساهمون