إسرائيل بين الديمقراطية والعسكرة

16 مارس 2015
الصورة

مركز انتخابي للجنود الصهاينة في الجليل (21 يناير/2013/Getty)

منذ عسكرة الحركة الصهيونية، في ثلاثينيات القرن المنصرم، والجانب العسكري يلعب الدور الرئيس والأبرز داخل هذه الحركة التي أعلنت نفسها دولةً، باغتصاب أرض السكان الأصليين من العرب، حيث اكتساب الزعامة السياسية، داخل الكيان الصهيوني، وتبوؤ المناصب الكبيرة في إدارة الاقتصاد، تتم بالانتماء إلى المؤسسة العسكرية والأمنية، فالجنرالات الصهاينة هم من يتخذ القرار بشأن السياسات العامة، والاستراتيجيات الكبرى المُوجِّهَة لهذا الكيان. ويصح القول إن إسرائيل جيش له دولة، خصوصاً إذا علمنا تشعب دوره في مختلف المجالات، وسيطرته على المجال العام داخل الكيان الصهيوني، لا سيما الدور الاقتصادي الذي تلعبه الصناعة العسكرية في الناتج الوطني الإسرائيلي، ومدى أهميتها للميزان التجاري، ولصادرات الكيان، إذ إسرائيل خامس أكبر دولة مصدرة للسلاح في العالم.

يجادل بعض الانهزاميين العرب بأن إسرائيل واحة للديمقراطية في منطقتنا، ويظهرون انبهاراً بالتقدم التكنولوجي الإسرائيلي، باعتباره وليد نهوض ذاتي في مجتمع الكيان الصهيوني، لكن المؤرخ الإسرائيلي، إيلان بابيه، يرفض هذه الرؤية، ويشير إلى عسكرة المجتمع الإسرائيلي، بوصفها مناقضة للحريات العامة، كما أنه يتنبه، جيداً، إلى الارتباط الوثيق بين التقدم العلمي الإسرائيلي والازدهار في مجتمع الكيان، وقيامه على التطهير العرقي والفصل العنصري والسلب والاستعمار الاستيطاني، حيث لا يمكن فصل الأمرين موضوعياً.

ينتمي بابيه إلى تيار المؤرخين الجدد في إسرائيل، وهو تيار يُعنى بإعادة كتابة التاريخ الإسرائيلي بشكل نقدي، يتحدى المنظومة الأكاديمية المهيمنة في إسرائيل. وقد تمكن ورفاقه، من أمثال شلومو ساند، وأفي شلايم، وبيني موريس، من فضح الصهيونية وتاريخها الدموي، عبر التوثيق التاريخي للفظائع الصهيونية المؤسِّسَة للكيان، والتطهير العرقي والتهجير الممنهج بحق السكان الأصليين لأرض فلسطين.

يوضح بابيه، في أحد كتبه، أن الجيش الإسرائيلي، لم يقم فقط بتأسيس الدولة، وإنما أصبح الركيزة الأساسية لها، والمتحكم في طبيعة السياسات الإسرائيلية، الداخلية منها والخارجية. في الداخل، انتهج سياسة قمعية ضد أي مجموعة لا تلتزم بالأجندة الصهيونية، كما تراها النخبة السياسية والعسكرية. وجرت عسكرة المجالات المدنية، منذ تأسيس الكيان، وإلى اليوم، فالجيش هو المهيمن في مجالات السياسة والاقتصاد والإدارة والثقافة، وهو المهيمن على وسائل الإعلام الإسرائيلية، إذ يحدد سقفها، وما يجب أن تقوله، فالإعلام الإسرائيلي ينطق باسم الجيش، ولا يمارس عليه الرقابة.

حين اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، جعلت وسائل الإعلام الإسرائيلية الجيش مصدرها الوحيد للمعلومات، واستمر الأمر في حرب يوليو/تموز عام 2006 على لبنان، وحرب عام 2008-2009 على غزة، ولم تكن المادة المنشورة تستند إلى ما يرِد وسائل الإعلام من مراسليها، بل إلى تصور محدد، يعيد إنتاج المادة الإعلامية على هوى الصورة المرغوبة من الجيش الإسرائيلي. لم تتعاطف وسائل الإعلام الإسرائيلية مع المراسلين الأجانب الذين مُنعوا من تغطية الأنشطة الإسرائيلية، إثر اندلاع الانتفاضة عام 2000، أو على تحول بعضهم إلى هدف لمضايقات الجيش الإسرائيلي، وأكثر من ذلك، توافقت وسائل الإعلام الإسرائيلية على فرض ما يقوله الجيش، روايةً وحيدةً تتردد في كل الصحف والإذاعات الإسرائيلية.

يروي إيلان بابيه قصة عملية تم تنفيذها ضد الفلسطينيين في مارس/آذار عام 2002، حين اقتحم الجيش الإسرائيلي مخيماً للاجئين في طولكرم. وقتها، دعا الناطق باسم الجيش الإسرائيلي طواقم تلفزيونية، ومراسلين مخضرمين، لمرافقة الجيش في أثناء العملية، على أمل إبراز "الوجه الإنساني" للجيش، لكن صور الجنود وهم يدمرون كل ما يعترض طريقهم، ويضربون جدران المنازل للنفاذ إليها، ويثيرون فزع النساء والأطفال، لم تنسجم مع الصورة الإنسانية التي حرص الإعلام على تظهيرها. وهكذا تعلم الجيش درساً مهماً، فلم يسمح لأحد من المراسلين بمرافقة الجيش في عمليته التالية، في مخيم جنين، ولم يكن بمعية الجيش سوى مراسلة حربية لمحطة إذاعة إسرائيل، تُدعى كارميلا مناشي، وكانت تقرأ على الهواء نصوصاً جاهزة، يقدمها لها قادة الجيش.

لا يكتفي الجيش بالسيطرة على تداول المعلومات، بقدر ما يستطيع، فهو يتدخل في المجال التربوي، ويعيد صياغته، بحسب توجهاته، ويفعل ذلك في المجالات كافة، وإذا أضفنا إلى ذلك عنصرية الكيان الصهيوني، وتمييزه ضد العرب بشكل سافر، يصبح الحديث عن ديمقراطية إسرائيلية أقرب إلى تصور ساذج، نابع من عدم الاطلاع، أو إلى تبني الدعاية الصهيونية وترويج النموذج الإسرائيلي، كما الحال في الخطاب الغربي الذي يمتدح على الدوام ديمقراطية إسرائيل المزعومة.

يشير تناول العسكرة داخل إسرائيل إلى سذاجة طروحات المراجعة العربية، بعد هزيمة 1967، والتي حاولت أن تعزو أسباب الهزيمة إلى غياب الديمقراطية وسيطرة العسكر في العالم العربي، في مقابل الديمقراطية الإسرائيلية. والحقيقة أن إسرائيل لم تنتصر عام 1967 لأنها ديمقراطية، فهي تخضع للعسكرة أيضاً، وقد انكسر تفوقها، لاحقاً، على يد حركات المقاومة العربية.

دراسة العدو الإسرائيلي ونقاط قوته وضعفه ضرورية، لكنها تبدأ، أولاً، برفض التعامل مع الدعاية الغربية حول إسرائيل باعتبارها مسلَّمات، وابتلاعها انطلاقاً من الشعور بالدونية، فهذا يقود إلى الانفصال عن واقع الاحتلال وطبيعة تركيبته وتناقضاته.

تعليق: