إسراء وأخواتها

09 سبتمبر 2019
بدأت تتكشّف أخيرا خيوط الجريمة البشعة النكراء التي ارتكبها أفرادٌ من أسرة شهيدة التخلف والجهل والقسوة والوحشية، إسراء غريب، بحق هذه الصبية الحلوة الطموحة، قوية الشخصية التي تحب الجمال، وتبرع في مفرداته، ما جعلها قبلة الفتيات والعرائس، خبيرة الماكياج المتميزة، تضع لمساتها على وجوههن، تهيئهن لليلة فرحهن، قبل أن تنهمك في دروسها، طالبة الأدب الإنكليزي في جامعة بيت لحم، وهي لا تعرف أنها ستزف قسرا إلى موتٍ جائر، لم يحن أوانه. إسراء نموذجٌ مشرّفٌ جدير بالاحتذاء لبنتٍ عربية حرّة شجاعة جادّة مستقلة منتجة، شقّت طريقها في سوق العمل، على الرغم من صغر سنها. وهي المحترمة الشريفة العفيفة، رغم أنوفهم جميعا، المكافحة الواعدة، البنت التي تأتي بالفخر لأي عائلة، إذا افترضنا جدلا أن من أقدم على جريمة قتلها النكراء من أفراد عائلتها ينتمون لفصيلة البشر، وقد هان عليهم دم صغيرتهم، فسفحوه مجّانا تحت عنوان الشرف الرفيع، وهم الذين لم يُسلموه من الأذى. 
بكل صلافةٍ وصفاقةٍ، حاول هؤلاء استغفال الرأي العام، وتلبيس القضية للجن الأزرق (!)، على الرغم من تسجيلاتٍ واضحةٍ لصوت الصبية تستنجد بالشرطة، وتحاول الدفاع عن نفسها، على الرغم من الكسر في عمودها الفقري وفي قدمها. وفي زعم مفضوح، قال الناطق باسم العائلة زوج شقيقتها، والذي ستكشف التحقيقات دورَه المخزي كما أرجّح، أن إسراء دفعته نحو الجدار، فكسرت ثلاثة أضلاع من صدره. .. يقولون إنك تعرف الكذبة من كبر حجمها، ويعرف كل من تعرّض لحادث كسر في قدمه أن تحريك هذه القدم، ولو بشكل بسيط، ضرب من المستحيل. لم يكتف الصهر بذلك الهراء، بل تمادى، وأشار، في فيديو بثه على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى عنف جسدي ولفظي صدر عن الصغيرة المنهوب عمرها، والتي لا يتعدّى وزنها الخمسة والأربعين كيلو، ذات القد النحيل والأناقة اللافتة والمنطق السليم، عزاه، في استهبال واضح، إلى تلبس الجن. وبدل أن يقدّروا عاليا عدم تقدّمها بشكوى (كانت ستحمي حياتها) حين أشبعوها ضربا، وألقوا بها أرضا من شرفة البيت، حرصا منهم على سمعة العائلة، عقدوا النية على إزهاق روحها غيلة، وعن سابق قصد وتصميم.
أي شرف هذا الذي تتحدّثون عنه يا أولاد...؟ كيف تنامون ليلكم الطويل وأيديكم ملطخة بدم الشهيدة، ضحية إجرامكم وحقدكم الدفين على كل ما هو جميل؟ قصة مؤلمة، تقض المضاجع لفرط بشاعتها، وتثير في النفس الغضب والتقزّز والغثيان، غير أن الأمل يظل معقودا على الجهات المختصة، لكشف الحقائق كلها أمام الرأي العام الذي عبر عن سخطٍ وغضبٍ في كل المنابر. ولا بد من الاقتصاص العادل من العصابة القاتلة، انتقاما لإسراء الضحية التي خسرت حياتها من دون وجه حق. .. ليست الوحيدة في هذا السياق المخجل، وقد سُجلت تسع عشرة حالة قتل لصبايا فلسطينيات بذريعة الشرف في هذا العام فقط. ولا يختلف الأمر كثيرا في الأردن وفي بلاد عربية عديدة. وتقف التشريعات قاصرةً أمام هذا العنف المنظم، بل تقوم أحيانا بتبريره بنصوصٍ قانونيةٍ مخلّةٍ تنص على العذر المخفّف في حالة جرائم عدم الشرف الذي يبيح للمجرم الإفلات من العقوبة، فيذهب دم الأنثى هدرا. وليس ثمّة من يطالب بالثأر له في معظم الحالات. عنف متأصل تمارسه مجتمعاتنا المتخلفة المهزومة المستقوية، بكل خسّةٍ وجبنٍ، على الأنوثة، كونها الطرف الضعيف في المعادلة. من هنا، المسؤولية جسيمة، وتقع علينا جميعا، أفرادا وحكوماتٍ ومؤسسات مجتمع مدني ومنظماتٍ حقوقيةً واتحاداتٍ نسائيةً وكتابا ومفكرين، للعمل بشكلٍ جاد على إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، واحترام حقها المشروع في الحياة الحرّة، والخروج بنا من هذا القاع المظلم السحيق الذي يندى له الجبين.
الرحمة لروح الشهيدة، إسراء غريب، والخزي والعار لكل من سوّلت له نفسه اغتيال روحها الغضّة المتفتحة كوردة باتجاه الحب والأمل.. في بلاد العرب أوطاني، دائما لا عزاء للنساء.
تعليق: