إرجاء الاستماع إلى وزراء في انفجار مرفأ بيروت وأهالي ضحايا يطالبون بتحقيق دولي

14 اغسطس 2020
الصورة
تنقسم الآراء بين مؤيد ومعارض للتحقيق الدولي بكارثة المرفأ (حسين بيضون)

في وقتٍ يعبّر فيه الشعب اللبناني عن عدم ثقته بأي تحقيق محلّي من جانب السلطات السياسية والقضائية والأمنية في لبنان في كارثة انفجار مرفأ بيروت، كونها ستحمي الرؤوس الكبيرة وتبعدها عن المحاسبة، قرّر المحامي العام التمييزي القاضي غسان الخوري إرجاء الجلسة التي كانت مقرّرة اليوم، الجمعة، للاستماع إلى عددٍ من الوزراء الحاليين والسابقين المعنيين بملف مرفأ بيروت، إلى حين إرسال القاضي فادي صوان، الذي عيّن أمس، الخميس، محققاً عدلياً في الجريمة، كتاباً إلى النيابة العامة التمييزية لعدم اختصاصه في التحقيق مع وزراء بل يعود الأمر إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

وكان الناشط والمحامي حسن بزي قد حذّر، في حديث مع "العربي الجديد"، من هذا الموضوع، قائلاً: "هناك إشكاليتان في هذه القضية، تتمثل الأولى في أنّ الإهمال الوظيفي الذي يرتكبه الوزراء ناشئ عن الوظيفة، وبالتالي فإنّ تحديد ظروفه ليس من صلاحية النائب العام، بل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، والثانية ترتبط باجتهادين صادرين عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز والغرفة الثالثة في محكمة التمييز، وينصان على أن جرائم الفساد لا تعطي الوزير الحق بالحصانة لجهة محاكمته أمام المجلس الأعلى المذكور، بل يبقى للقضاء العادي الحق في ملاحقته وتوقيفه، على أن يتم الأخذ بالاجتهادين، لا سيما أن أحدهما صادرٌ عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز التي تضم كل رؤساء محاكم التمييز".

تنقسم آراء الأوساط السياسية في لبنان حول إحالة جريمة مرفأ بيروت للتحقيق فيها دولياً، في ظلّ إصرار الحكومة ورئيس الجمهورية على إبقاء الطابع المحلي للتحقيقات مع الاستعانة في الوقت نفسه بخبراء ومحققين دوليين

إلى ذلك، عقد أهالي وممثلو ضحايا انفجار مرفأ بيروت، اليوم الجمعة، مؤتمراً صحافياً طالبوا خلاله بتحقيق دولي في الجريمة التي أودت بحياة أكثر من 170 شخصاً وشرّدت آلاف العائلات ودمّرت جزءاً كبيراً من العاصمة اللبنانية. وأعلنوا أنّهم تقدّموا في 12 أغسطس/ آب بكتابٍ إلى المجتمع الدولي لهذه الغاية، باعتبار أنّهم لا يثقون بأي تحقيق محليّ تجريه السلطات اللبنانية.

وقالت المحامية باسم أهالي الضحايا، ندى عبد الساتر، إنّ "ضحايا مجزرة بيروت 2020، يطالبون المجتمع الدولي، وبكل إصرار، بدعم العدالة والحقيقة وإحقاق الحق من خلال إقرار تحقيق دولي ومحاكمة دولية لهذه الجريمة ضد الإنسانية من خلال إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية تحت الفصل السابع أو إنشاء محكمة دولية خاصة تحفظ للضحايا حق المشاركة والمثول والمطالبة بالتعويض عن الأضرار".

وأضافت "بحيث يكون للمحكمة مطلق الصلاحية لفرض التعويضات المالية والعقوبات والإجراءات ومطلق الصلاحية لملاحقة أي شخص خاص أو عام من اللبنانيين أو من غير اللبنانيين، الذين يتبين تورطهم بشكل مباشر و/أو غير مباشر بهذه الجريمة ضد الإنسانية".

وأشارت إلى أن "العديد من الضحايا وغير الضحايا يعربون عن عدم الثقة بالمنظومة الأمنية والسياسية القابضة على لبنان، معتبرين أن هذه المنظومة هي المتهم الأكيد وإن لم يكن الوحيد بهذه الجريمة المجزرة".

وقالت كذلك "يسألونني بصفتي محامية عن الإجراءات للوصول إلى تحقيق مستقل موثوق لا يكون خاضعاً ولا يتأثر لا من قريب ولا من بعيد بالمنظومة من رأس الهرم إلى أسفله مروراً بحماته ونواطيره".

وقال بول نجار، خلال مؤتمر أهالي الضحايا، إن طفلته ألكسندرا (3 سنوات)، توفيت بعد ثلاثة أيام من حصول الانفجار بعدما تلقّت ضربة قوية على رأسها فيما كانت في المنزل، وهو اليوم يخاطب المجتمع الدولي لتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة التي يتّمت عائلات وشرّدت الآلاف ودمّرت ممتلكات ناس خسروا سنوات عمرهم بهدف إعمارها وبنائها.

صورة ألكسندرا كجميع الضحايا، وهي أصغرهم، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، وسرقت بابتسامتها قلوب اللبنانيين والعالم، فلقّبت بـ"فراشة بيروت"، هي التي نزلت إلى ساحات الحَراك الشعبي في "انتفاضة 17 أكتوبر" لتطالب بوطنٍ أفضل تعيش فيه مع عائلتها وأصدقائها، من دون أن تضطرَّ إلى الهجرة منه عندما تكبر، وببراءتها لم تعلم أن الفساد في هذا البلد وغياب ضمائر المسؤولين دمّر لبنان وشعبه وسرق أحلامهم قبل أن تولدَ.

وشدد نجار، في كلمته، على ضرورة أن "يتوحّد الشعب اللبناني ويتضامن كما حصل منذ لحظة وقوع الانفجار، في مشهدٍ مؤثر جداً جعلنا نشعر بالفرح في أصعب الأوقات، وذلك من أجل الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة كل مسؤول عن هذه الجريمة التي وقعت في مرفأ بيروت، من خلال توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي، كأهالي الضحايا والمواطنين اللبنانيين، بأحقية حصول تحقيق دولي شفاف يرسي العدالة".

وسأل: "هل يعقل أن يستمرّ أشخاص شرّدوا من منازلهم، وقتلت عوائلهم، وآمالهم وأحلامهم، في حياتهم من دون أن تتحقّق العدالة والمحاسبة؟ أهذا طبيعي؟ أيقبل المجتمع الدولي أن يلعب السياسيون بمصير المواطنين كلعبة شطرنج؟! على أمل أن يكون الجواب لا".

وبينما تنقسم آراء الأوساط السياسية في لبنان حول إحالة جريمة مرفأ بيروت للتحقيق فيها دولياً، في ظلّ إصرار الحكومة ورئيس الجمهورية على إبقاء الطابع المحلي للتحقيقات مع الاستعانة في الوقت نفسه بخبراء ومحققين دوليين، أعلن وكيل وزارة الخارجية الأميركية ديفيد هيل، أمس الخميس، لدى وصوله إلى لبنان، أنّ مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي (أف بي آي) سيشارك في التحقيقات حول انفجار مرفأ بيروت، وذلك بناءً على طلب السلطات اللبنانية، بهدف تقديم الإجابات بشأن المسببات التي أدت إلى وقوع الانفجار، مؤكداً وقوف الولايات المتحدة إلى جانب لبنان  في الظروف الصعبة التي يمرّ بها".

والى جانب فرنسا التي ستشارك في التحقيقات أيضاً، أعلنت الشرطة الدولية (الإنتربول)، في وقتٍ سابق، إرسال فريق خبراء دوليين متخصصين في تحديد هويات الضحايا إلى موقع الانفجار وبطلب من السلطات اللبنانية.

وتوفي مواطن فرنسي ثان جراء الانفجار، وفق ما أفادت مصادر قريبة من الملف في باريس، الجمعة، لوكالة "فرانس برس". وبحسب أحد المصادر، هناك 93 فرنسياً من أصل أكثر من 6500 جريح أحصتهم السلطات اللبنانية.

وتمّ الثلاثاء تكليف اثنين من قضاة التحقيق في دائرة الحوادث الجماعية في المحكمة بالتحقيق الذي فتحته النيابة العامة في باريس حول الانفجار في مرفأ بيروت، نظراً لوجود ضحايا فرنسيين وخصوصاً عشرات الجرحى، وفق ما أفادت النيابة العامة في باريس. وفُتح تحقيق قضائي بتهمتي "القتل غير المتعمد" والتسبب "بإصابات بشكل غير متعمد".

كذلك، قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن على السلطات اللبنانية دعوة خبراء دوليين من أجل إجراء تحقيق مستقلّ في الانفجار، والذي عليه أن يحدد أسباب الانفجار والمسؤولين عنه، ورفع توصيات حول التدابير الواجب اتخاذها لضمان عدم تكراره.