إرادة مصرية بأسلحة غربية

04 مارس 2018
الصورة
"الرافال.. إرادة مصرية"، هكذا عبر المتحدث العسكري السابق باسم القوات المسلحة المصرية، عندما اتفق نظام عبد الفتاح السيسي على شراء طائرات الرافال الفرنسية قبل ثلاث سنوات. لتنطلق بعدها الزّفة الإعلامية المصرية المعتادة، لتتحدث عن القدرات الخارقة لهذه الطائرات، وتضفي عليها من الإمكانات ما يجعل صانعيها أنفسهم يستلقون على ظهورهم من الضحك. فأحدهم أكد أن "الرافال" تستطيع ضرب عشرة أهداف في وقت واحد، وقال آخر إنها أفضل من طائرات أباتشي وإف 16 الأميركيتين، ووصف خبراء عسكريون هذه الطائرة الفرنسية بأنها الأسرع في العالم، وأنها تستطيع تتبع ستة أهداف متزامنة، والتعامل معها بما تملكه من صواريخ ليزر في تسليحها. وكثرت الأخبار والتحليلات التي تحاول الإيحاء بأن صفقة "الرافال" هي رسالة تحد من مصر إلى أميركا، وكأننا نتحدث عن نظام فيديل كاسترو أو هوغو تشافيز أو عن مقاوم يساري للإمبريالية الأميركية مثلا، وليس عن عبد الفتاح السيسي!
المهم أن كل هذه الزفة الإعلامية، وتعبير المتحدث العسكري عن "الإرادة المصرية" لم تقدم إجابة عن سؤال منطقي: ما علاقة وجود إرادة مصرية بشراء أسلحة أجنبية؟ فالمفترض أن الدول التي لديها إرادة حقيقية هي تلك التي تصنع سلاحها بيدها من دون انتظار الحصول عليه من أي دولة أخرى، ولنا في إيران مثال على تلك الإرادة، على الرغم من خلافنا معها في 
سياساتها الإقليمية، فهي دولة واجهت عقوباتٍ لعشرات السنوات، واستطاعت إنتاج أسلحتها الرئيسية، وتطوير برامجها الصاروخية بإتقان مثير للإعجاب، وكذلك حركة حماس في غزة التي استطاعت إنتاج صواريخ في ظل ظروف الحصار شديدة القسوة. أما شراء أسلحة من فرنسا فلم نجد حتى الآن رابطا منطقيا بينه وبين "الإرادة"، خصوصا أن الزفة الإعلامية في ذلك الوقت كانت في أثناء وجود خلاف بين نظام السيسي والإدارة الأميركية التي كانت ترفض إعطاء الأخير طائرات أباتشي الأميركية، ولذلك حاولت الأذرع الإعلامية الإيحاء بأن مصر لا تخضع لإملاءات الولايات المتحدة، لكن السيسي ظهر بعدها في حوار تلفزيوني، وهو يستجدي إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، لتعطيه "الأباتشي" في مشهد أثار سخرية الجميع، كما أن تسليح الجيش المصري كان وما زال وسيظل معتمدا بشكل رئيسي على السلاح الأميركي.
المهم أنه، بعد كل تلك الأكاذيب الزاعقة، اكتشفنا أخيرا سر شراء السيسي طائرات الرافال، والمهام "الخطيرة" التي أوكلت إليها، وهي الإقلاع بجوار طائرة السيسي في أثناء ذهابه إلى فرنسا في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي! بعد أن حلقت ثلاث طائرات مصرية على الجانب الأيمن من الطائرة الرئاسية، فيما حلقت على جانبها الأيسر ثلاث طائرات فرنسية لـ"الترحيب" بالسيسي! بالإضافة إلى المشاركة في الاحتفالات الرسمية، مثل أعياد 6 أكتوبر وتحرير سيناء وعيد القوات الجوية، وافتتاح تفريعة قناة السويس، إذ قامت بعمل عروض جوية بالألوان، ورسمت قلوبا في السماء.
من الطبيعي أن يقتصر عمل "الرافال" على مهام كتلك، بعد أن كشفت صحيفة لاتريبيون الفرنسية أن الطائرات التي تسلمتها مصر لا يمكنها حمل صواريخ موجهة، وأن مصر طلبت دفعة إضافية من طائرات الرافال تكون مزودة بصواريخ "كروز ستورم شادو"، أو قادرة على حملها، لكن الولايات المتحدة رفضت ذلك، لأن الصواريخ تضم أجزاء أميركية الصنع، أي أن مصر تكلفت مليارات الدولارات من أجل طائرات بدون صواريخ.
لم يكن ذلك الأمر مفاجئا، فقد أعلنت فرنسا نفسها وقت توقيع الصفقة أنها أدخلت تعديلاتٍ عديدة على الطائرات المصدرة إلى مصر، تضمنت إزالة قدرتها على حمل صواريخ نووية، بما في ذلك صاروخ جو - أرض متوسط المدى، لأنه قادرٌ على حمل رأس نووي، وكذلك إلغاء نظام الاتصالات الخاص بحلف شمال الأطلسي (الناتو). كما أكد مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، في ذلك الوقت، أن "الرافال" لن تسهم في تعزيز قدرات الجيش المصري، لأنها لا تستطيع حمل صواريخ غير فرنسية. وبالتالي، فإن أي صواريخ أخرى لدى مصر لن يمكن استخدامها أو تركيبها على الطائرات.
طالما حصلت مصر على صفقة طائرات بتلك المواصفات البائسة، فمن الطبيعي أن يقوم سلاح الجو الإسرائيلي بمهمة مطاردة الجماعات المسلحة في سيناء، بدلا من "الرافال"، فقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن الطائرات الإسرائيلية تشن ضربات جوية داخل مصر بعلم القاهرة وموافقة عبد الفتاح السيسي منذ العام 2015، وأنها قامت بأكثر من 100 غارة جوية داخل مصر، وفي أحيان كثيرة مرات في الأسبوع، بموافقة السيسي، وقد استخدمت في تلك الغارات طائرات من دون طيار ومروحيات وطائرات مقاتلة، لكن تلك الطائرات بالتأكيد لم يكن من بينها طائرات الرافال.
ما حدث في صفقة "الرافال" يحدث غيره بالضبط في صفقات السلاح الأخرى، فقد خضعت 
الفرقاطة البحرية التي اشترتها مصر من فرنسا أيضا، إلى تعديلاتٍ، أهمها إزالة قدرتها على إطلاق صواريخ كروز البحرية، لكن يبدو أن ذلك الأمر لم يكن يشغل بال القيادة المصرية، التي حرصت على أن تطلق على الفرقاطة اسما يبدو عربيا ومصريا، فاختارت اسم "الفاتح" لها. وكأنها أصبحت بذلك مصرية، وهو ما حدث مع حاملتي الطائرات، ميسترال، اللتين اشترتهما مصر، وأطلقت عليهما اسمي جمال عبد الناصر وأنور السادات. فيما اتضح بعد ذلك أن الحاملتين غير مزودتين بأي أنظمة دفاع ضد الهجمات الجوية، ليتم الاستعاضة عن ذلك النقص بتثبيت سيارات دفاع جوي قصير المدى فوقهما، وقد وصف أحد المواقع العسكرية حاملتي الطائرات بدون منظومة الدفاع الجوي بأنهما مثل "البطة العرجاء".
أما الصفقة الأكثر غرابةً، فكانت الغواصة التي اشترتها مصر من ألمانيا. وعلى الرغم من ذلك، أطلقت عليها وسائل الإعلام لقب "الغواصة المصرية"، بل وتجرأت وسائل إعلام أخرى، ووصفتها بأنها "أول غواصة مصرية حديثة"، مع أنها صنعت بالكامل في ألمانيا. وأقيمت احتفالات كبيرة عند استلام الغواصة، ووصفت الصحف المصرية تسليم الغواصة لمصر بأنه "مشهد تاريخي مهيب"، وكأنه إنجاز غير مسبوق. ويبدو أنهم اعتبروا رفع العلم المصري على الغواصة بمثابة "تمصير" لها. فيما كتبت صحيفة أخرى أن إسرائيل "مرعوبة" من الغواصات "الألمانية"، على الرغم من أن ألمانيا معروفة بتصديرها كميات سلاح هائلة إلى تل أبيب، وبالتأكيد هي أسلحة أكثر تطورا بكثير من "أول غواصةٍ مصرية حديثة".
تذكّرنا هذه السياسة العجيبة، شراء أسلحة غربية عديمة القيمة وإطلاق أسماء مصرية عليها، بعمليات الخداع التي تعرّض لها المصريون طوال الأعوام الماضية، خصوصا في عهد جمال عبد الناصر، إذ كثر الحديث عن تصنيع أسلحة وسيارات وصواريخ مصرية. وبالفعل سميت تلك المنتجات بأسماء مصرية أيضا، مثل صواريخ القاهر والظافر، والسيارة رمسيس، و"الغواصة الجيب" التي أعلن عنها المشير عبد الحكيم عامر في أحد الاستعراضات العسكرية، وأخيرا "سفينة الفضاء المصرية"، قبل أن يكتشف المصريون زيف كل تلك الادعاءات، وأنها لم تكن هناك صناعة مصرية ولا يحزنون.