إدمان الكحول في روسيا تراجع... لم يتراجع

21 مايو 2017
الصورة
12 لتراً من الكحول الصافي للفرد سنوياً(فازيلي ماكسيموف/فرانس برس)
تشير البيانات إلى تراجع عدد مدمني الكحول في روسيا بنسبة 24 في المائة، ليبلغ عدد الخاضعين لمتابعة طبيّة في هذا الإطار نحو 1.5 مليون شخص في عام 2016. كذلك انخفض معدّل استهلاك الكحول بمقدار 0.2 لتر من الكحول الصافي للفرد في عام 2016 بالمقارنة مع عام 2015، الأمر الذي يعني أنّ متوسط استهلاك الفرد تراجع نحو نصف لتر من الفودكا أو خمسة لترات من البيرة سنوياً. على الرغم من ذلك، ما زال إدمان الكحول من أكبر المشكلات التي تواجهها روسيا، إذ إنّ الإفراط في تناوله والأمراض الناجمة عنه تودي بحياة مئات آلاف الأشخاص. إلى ذلك، تتكرر بين الحين والآخر حوادث تناول منتجات كحولية مغشوشة تتسبب في وفيات وتهزّ الرأي العام الروسي.

في محاولة لإيجاد حلّ لتلك المشكلة، أحالت مجموعة من النواب مشروع قانون رفع السنّ القانونية لشراء المشروبات التي تزيد نسبة الكحول فيها عن 18 في المائة، من 18 عاماً إلى 21 عاماً، إلى مجلس الدوما (النواب) أخيراً. كذلك رُفِعت الضرائب المفروضة على منتجي الكحول، لتزداد أسعار الفودكا على سبيل المثال بنسبة ثمانية في المائة.

لم يلاحظ كبير الأطباء في عيادة "مارشاك" المتخصصة في علاج الإدمان، ديميتري فاشكين، تراجعاً في عدد قاصدي عيادته، مشيراً إلى أنّ "العلاج يجب أن يشمل المجالات النفسية والاجتماعية والبيولوجية لحياة المدمن وأسرته".

ويؤكد لـ"العربي الجديد" أنّه "في إطار عمل عيادتنا، لا نلاحظ تراجعاً في عدد مدمني الكحول. والبيانات الإحصائية غير موضوعية، فيما تتغير المعايير بين يوم وآخر". وحول مدى فاعلية رفع السنّ القانونية لتناول الكحول والزيادة على الأسعار، يقول: "يجب أن تبدأ الوقاية من إدمان الكحول من التربية في الأسرة وليس بإجراءات المنع وفرض القيود. لن يؤدّي رفع الأسعار والسنّ إلى تراجع الاستهلاك، بل سوف يسفر عن زيادة في حالات التسمم طالما توجد سوق سوداء". 



ويرى فاشكين أنّ أكبر تحدّ يواجهه مدمنو الكحول قبل بدء العلاج هو الاعتراف بمشكلتهم، مشيراً إلى أنّ العلاج يجب أن يكون شاملاً. ويوضح أنّ "الأطباء النفسيين يساعدون المريض في التخلص من أنماط التفكير والعادات الهدامة وإيجاد أساليب صحية للتخلص من التوتر والشعور بالراحة في حالة الرصانة".

من جهته، يستبعد مدير مركز بحوث أسواق الكحول الفدرالية والإقليمية، فاديم دروبيز، أيّ تأثير لرفع الأسعار والسنّ القانونية على عدد مدمني الكحول في روسيا، مشككاً بدوره في دقّة البيانات التي تشير إلى انخفاضه. ويقول لـ"العربي الجديد" إنّ "النقاشات حول رفع سنّ تناول الكحول إلى 21 عاماً مجرد حملة دعائية، ولن تقلل هذه الخطوة من عدد المدمنين، كما تؤكد التجربة الأميركية".

وعن تأثير رفع الضرائب، يوضح أنّ "رفعها يجري بصورة منتظمة، لكنّ هذه الزيادة لا تؤثر على التقسيمة القائمة منذ عام 2012" معيداً ذلك إلى أنّ "نحو 45 مليون مستهلك يشترون الكحول من المحلات الرسمية، بينما يشتريه نحو 20 مليوناً من السوق السوداء". يضيف أنّ "سعر الفودكا في السوق السوداء يبلغ،على سبيل المثال، نصف ثمنها في المتاجر. وهو ما يعني أنّ الزيادة البسيطة في الأسعار لا تؤدّي إلى انتقال المستهلك من فئة إلى أخرى". ويشدّد على أنّه "من أجل القضاء على السوق السوداء، يجب أن يكون الكحول من الأصناف ذات الجودة العالية متوفراً بأسعار مناسبة. لكنّ الرفع المستمر للضرائب يحول دون ذلك".

ويقلل دروبيز من نجاحات روسيا في خفض عدد مدمني الكحول، قائلاً إنّ "هذه الإحصاءات غير دقيقة لأنّها تعود إلى التغيّرات في الهرم السكاني وتراجع عدد الشباب، الفئة الأكثر استهلاكا للكحول، في مقابل ارتفاع عدد المسنين فوق 55 عاماً والذين توقفوا بأغلبهم عن تناول المشروبات الروحية". يضيف في هذا السياق: "إذا أعددنا دراسة حول تناول الكحول بين الفئات العمرية من 15 إلى 55 عاماً، نلاحظ أنّ حصة الفرد تكاد تكون غير متغيّرة".

ويُعرَف الروس بحبهم للكحول منذ قرون، ليتحول ذلك إلى جزء راسخ من ثقافة بلادهم وتاريخها، حاضر دائماً في لقاءات الشباب واجتماعات الأسر. وخير شاهد على ذلك هو الكمّ الهائل من النكات الشعبية والأفلام الكوميدية التي يعيش أبطالها مغامرات طريفة على أثر تناولهم كميات كبيرة من المشروبات الروحية. من جهته، عُرِف الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين بإفراطه في تناوله الكحول، ليظهر ذات مرّة في حالة سكر أمام الجمهور في ألمانيا في عام 1994.

وتتخذ السلطات الروسية مجموعة من الإجراءات للحدّ من إدمان الكحول من قبيل حظر بيعه ليلاً وتغريم من يتناوله في الأماكن العامة. وكانت السلطات السوفييتية قد شنّت في السابق حملات عدّة لمكافحة الكحول، كان آخرها في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، وأتت ببعض النتائج الإيجابية. لكنّها ألحقت كذلك ضرراً كبيراً في الميزانية وخسائر فادحة في قطاع الصناعات الغذائية، وأسفرت عن ازدهار السوق السوداء للمنتجات الكحولية المغشوشة.

تجدر الإشارة إلى أنه، وبحسب بيانات وزارة الصحة الروسية، يبلغ استهلاك المشروبات الروحية في روسيا اليوم 12 لتراً من الكحول الصافي للفرد سنوياً، وهو ما يضعها من ضمن الدول العشر الأولى عالمياً في استهلاك المشروبات الروحية.

دلالات