إدمان إدارة أوباما على التهديدات الفارغة: تهويل لرفع العتب

01 أكتوبر 2016
الصورة
التذبذب أضعف صورة الولايات المتحدة (تشيب سمودفيلا/ Getty)
+ الخط -
بدأت إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الأسبوع الفائت بتوجيه الإنذارات إلى الروس لحملهم على وقف قصف حلب، وختمته بالمعزوفة نفسها، بدون اتخاذ أي خطوة لترجمة تهديدها. ولا بد أن لديها نية في هذا الاتجاه، بعدما لوّحت "بخيارات أخرى" إن لم يتوقف الهجوم على المدينة والالتزام بوقف النار، مع التحذير من وقف السعي والتحاور مع موسكو للتوصل إلى صيغة تعاون بينهما في سورية. ردت موسكو بالتجاهل والاستخفاف.


ولإعطاء تلويحها طابع الجدية هذ المرة، وضعته الإدراة الأميركية بصيغة الاستعجال، مشيرة إلى أن الإدارة باتت "على وشك" الانتقال إلى خياراتها الأخرى، كما قال الناطق الرسمي في وزارة الخارجية، مارك تونر.

العبارة نفسها تكررت، أمس الجمعة، بعد اتصال وزير الخارجية الأميركي جون كيري بنظيره الروسي سيرغي لافروف، مع التلميح بأن مثل هذا الانتقال قد يحدث في غضون "ساعات أو أيام" قليلة. لكنه استدرك قائلا بأن "الاتصالات ما زالت جارية ". إلى متى ؟ "ما زلنا نحرص على عدم غلق الباب"، مضيفا "لكننا اقتربنا".

موقف مبهم يعلك نفسه، أشبه بطواحين الهواء. مكشوف من زمان. إلا أن مقابلته الآن بالتصعيد من جانب موسكو، يؤكد أنه مجوّف. بذلك صارت المفارقة أن واشنطن التي هربت من الأزمة خوفاً من التورط فيها وجدت نفسها الآن في ورطة، في حين أن موسكو التي حسبت إدارة أوباما أنها في طريقها إلى الوقوع في ورطة سورية تبدو الآن صاحبة اليد الطولى في هذا الصراع. ويعود ذلك ليس إلى رفض الإدارة الأميركية التدخل في سورية، بقدر ما يعود إلى تذبذب مواقفها في إدارتها لهذه الأزمة.

ارتباكها وتوسلها "تعاون" الكرملين الذي دخل سورية بأجندة واضحة لا يقبل الشراكة فيها، رجّح الاعتقاد السائد في واشنطن بأنه ليس في جعبة البيت الأبيض، الذي ينفرد بالقرار في هذا الملف، شيء سوى التهويل لرفع العتب. وربما أنه يشتري الوقت وينتظر تركيع حلب للدخول في عملية سياسية مع موسكو، تستخدمها الإدارة كستار للاستمرار في نفض يدها من سورية.



من السيناريوهات الأخرى المتداولة ولو بالهمس، أن الإدارة ربما تكون قد لوّحت بورقة تشديد العقوبات على موسكو. أو حسب سيناريو آخر، قد تكون أبلغت الروس بأنها تتجه نحو الموافقة على تسليم بعض قوات المعارضة صواريخ محمولة مضادة للطيران، ما لم يتوقف القصف في حلب. يستند هذا التقدير إلى إشارات صدرت عن مسؤولين عادوا إلى استخدام عبارة "كل شيء على الطاولة". تضاف إلى ذلك إشارة صدرت عن موسكو وتمثلت في إرسال المزيد من الطيران الحربي إلى سورية، وبما قد يكون بمثابة رد مفاده أن روسيا قبلت مثل هذا التحدي وتعتزم التعامل معه بالمزيد من تكثيف الضربات الجوية لو بدأت الصواريخ تطارد طائراتها.

لكن كل ذلك يبقى في إطار التكهنات. السوابق تعزز ذلك. كما تعززها مماطلة وتسويف الإدارة في استخدام "خياراتها الأخرى" المزعومة. إذا كان في النية توظيف مثل هذه الوسائل الرادعة، فماذا تنتظر واشنطن؟

الواقع أن الإدارة صارت مدمنة، في تعاملها مع سورية، على التهديدات الصوتية. بدأ ذلك مع التراجع عن "الخط الأحمر" الشهير. وتوالى مع الدخول الروسي، ثم غض النظر ما عدا بالكلام، عن ضرب الروس لقوات المعارضة بدلاً من تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). وتكرس التراجع بالتعويل على موسكو في السعي إلى مخرج سياسي للأزمة، كانت نتيجته المزيد من الابتعاد عن التسويات وحتى عن وقف النار.

والآن تأتي معركة حلب التي تتعاطى معها واشنطن بالتحذيرات المبهمة والمتأخرة في كل حال. تعاطٍ أثار نقمة أوساط وجهات أميركية عديدة على هذه السياسة المتخبطة التي أفصح كيري نفسه عن ضيقه منها، كما كشف فيديو تسرب عن لقائه مع مجموعة من السوريين في نيويورك قبل أسبوع. سياسة أضعفت صورة الولايات المتحدة ورصيدها، في الداخل والخارج، وكانت من بين العوامل التي شجعت موسكو على التمادي أكثر في تدخلها واستئثارها بالساحة السورية.

المساهمون