إدغار موران يحاضر عن هشاشة التاريخ

إدغار موران يحاضر عن هشاشة التاريخ

30 مايو 2015
الصورة
إدغار موران (تصوير: دافيد مونيو)
+ الخط -
أقيمت أمس في جامعة منوبة في العاصمة التونسية محاضرة ألقاها المفكر الفرنسي إدغار موران حملت عنوان "النظام والفوضى في العالم الإنساني". محاضرة سرعان ما شقّت طريقها نحو الشأن السياسي ليقدّم فيها موران رؤيته للوضع في تونس.

تدور فلسفة موران حول محاولة تفسير الروابط بين العالم الخارجي وبناء تمثلاته داخل العقل البشري ممّا يصنع رؤية للحقيقة والواقع. ولعل أشهر ما يُعرف به هو "فكر التعقيد" والذي يعني أن "كل شيء موجود في الواقع يُنسج مع بعضه البعض" أي لا يمكن تفرقة العوامل والموجودات ودراسة كل منها على حدة. 

أمام مدرج ممتلئ بالطلبة والأكاديميين، ألقى موران (94 عاماً) محاضرة متفرّعة بين العلوم؛ بيولوجيا، تاريخ، علم اجتماع قبل أن يصبّ ذلك في تفسيرات سياسية راهنة. انطلق المفكر الفرنسي من التاريخ الطبيعي ليقدّم تفسيراً عن فروقات العقول البشرية رغم تطابق الإحداثيات العلمية بينها.

أكد موران على فكرة طرحها من قبل في كتابه "علم ذو ضمير" تقول بأن "الحياة تعيش على الموت"، حيث أشار إلى أنه مثلاً لولا موت الخلايا لما تمكّن الجسم من مواصلة الحياة. من هذه الفكرة ينتقل إلى صراعات العالم اليوم ضمن "لعبة جهنّمية تراوح بين النظام والفوضى" وتنتج علاقات صدامية. يلاحظ موران هنا بأن الفكر يجد صعوبة في إيجاد نقاط توازن، ولكنه يتساءل "أي لحظة في التاريخ هي لحظة توازن؟" ثم يشير بأن لحظة التوازن هذه، إن طُرحت، فهي نقطة نظرية ويمكن أن نصفها أيضاً بالخيالية.

أفضت هذه الأفكار بموران إلى الجزء السياسي من محاضرته، وتمركَز حديثه بالأساس حول الديمقراطية التي يعتبرها "ليست فقط عملية تفرقة بين السلطات أو تنظيماً للمواعيد الانتخابية بصفة دورية، ولكنها نظام عليه أن يضمن الصراع. إنه نظام يحاول أن يطرح نموذجاً لصراع أفكار مقابل صراعات قائمة على العنف". من خلال ذلك، يسلّط المفكر الفرنسي الضوء على "هشاشة الديمقراطية" لأنها بالنسبة إليه "لا تملك حقيقة وإذا ادّعت ذلك تحوّلت إلى شيء آخر، ربّما ديكتاتورية"، ثم يشير بأن "قوّتها في هذه الهشاشة".

تطرّق صاحب كتاب "مدخل إلى سياسة الإنسان" أيضاً للعولمة، التي يصفها بـ "آلة كوكبية تَعِد بالنظام وتُفرز الصراعات"، وهو يرى أن "كل التحوّلات في التاريخ هي عمليات خروج عن النظام، هذا الخروج عادة ما يكون غير مفهوم لدى القوى المهيمنة عند حدوثه فيتأخر ردّ فعلها ممّا يتيح تبلور التغيّر"، مشيراً إلى أن "التاريخ يحصل بصفة عشوائية بالضرورة". يمكن أن يفسّر هذا الطرح أيضاً التحوّلات الاجتماعية وكذلك الثورات، ومنها الثورة التونسية التي يسميها بـ "الربيع التونسي".

أثناء النقاش بعد المحاضرة، والذي اقتصر على مداخلات معدودة للطلبة، تمحورت الأسئلة على الجزء السياسي، حيث سُئل موران عن مستقبل الديمقراطية ومآزقها، فقال "إن الديمقراطية تفرز قراءات مضادة لها؛ مثل كونها طغيان الأغلبية أو أنها تنتج تعميماً للأسوأ، لكن الديمقراطية من منظور آخر هي حكم الناس لرجل السياسة، وهذا ما فرض عليها أن تُقحم في تعريفاتها الجديدة عناصر التنمية والعدالة الاجتماعية". ويضيف "إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الديمقراطية هو قلة احترامها. لكن هذه القراءات النقدية لها تُجدِّدها، وغياب التجدّد هو السقوط التدريجي في الموت".

حدث لغط في آخر لحظات النقاش إثر سؤال ألقته طالبة عن موقف موران من علاقات بعض الأكاديميين العرب ومنهم تونسيون مع الكيان الصهيوني تحت ذرائع علمية، ورغم رفض عدد من الحضور متابعة النقاش وخروجهم من القاعة إلا أن موران أصرّ عل الإجابة، ثم قال "لست مؤهلاً للإجابة بدلاً منهم".

المساهمون