إدغار موران: توحيد الأقل بربرية ضد الأكثر بربرية

19 ابريل 2016
الصورة
المفكر والفيلسوف الفرنسي إدغار موران (Getty)
+ الخط -
في "بيت الحكمة" بتونس العاصمة، التقى عدد واسع من المثقفين التونسيين بالمفكر والفيلسوف الفرنسي إدغار موران. كانت محاضرة موران الأولى ضمن سلسة من الحوارات، بدعم من رئاسة الجمهورية، تحت عنوان عريض "لقاءات قرطاج". الحلقة الأولى لهذه السلسلة كانت "الفكر في مواجهة العنف".

أراد موران أن يكون شاملًا في مقاربته، لينسجم مع تمسكّه بما يسميه "الفكر المركب"، فاستحضر أهم العوامل التي، حسب رأيه، يمكن أن تفسر هذا الصعود القوي والكاسح للعنف حاليًا، مقتربًا من "ظاهرة داعش" واصفًا عنفها بالأكثر بربرية.

لا نولد إرهابيين

لذا بدأ كلامه مؤكدًا أننا لا نولد إرهابيين بل نصير كذلك، وهذا أمر أساس. وركز على أهمية التفكك الاجتماعي الأسري، مشيرًا خاصة إلى التدهور الذي تعيشه مجتمعات عديدة في مجال التضامن الاجتماعي. ولاحظ وجود تراجع في السلوك المدني للأفراد والجماعات. لكن موران لم يقل بحتمية هذه العوامل "الاجتماعية"، وإنما يمكنها أن تساعد في توفير البيئة المناسبة للعنف. لذا توقف عند مسارات من غدوا إرهابيين، مشيرًا في هذا السياق إلى مجموعات الشباب المنحرفين الذين يتم استقطابهم فجأة وبسرعة من قبل "داعش"، وكذلك بالنسبة لعدد من المسيحيين الذين أسلموا وانخرطوا في ما يسمى بـ "الجهاد".



مصطلح الإرهاب لا يعني شيئًا

وكمفكّر ملتزم، طرح موران سؤالًا عن كيفية الصمود في مواجهة مماثلة، إلا أنه وقبل أن يجيب أشار إلى أنه لا يسيتسيغ استعمال مصطلح الإرهاب، لأنه من وجهة نظره لا يعني شيئًا، باستثناء شعورنا بالخوف الشديد. وكذلك الأمر في ما يخص مصطلح الجهاد الذي له معان مختلفة. أما "الداعشيون" فهم مجرد متعصبين قتلة. وأوّل شرط للصمود في وجههم هو التعرف إليهم. معتبرًا أن ثمة مساراً محدداً، إن تم اتباعه حتى النهاية فسيؤدّي بالضرورة إلى التعصب. كوصم شخص ما أو أمة أو الخضوع لنظرية تقسيم العالم في ظلّ صراع بين الخير والشر. ولفت إلى أن هذا التصور ليس حكرًا على "الجهاديين"، فقد سبق للرئيس الأميركي جورج بوش أن نظر إلى نفسه باعتباره ممثلًا للخير ضدّ إمبراطورية الشر (الإرهاب). وأضاف أن هؤلاء "الجهاديين" يجردون الآخر من كل خصائص إنسانيته، وبدافع الكراهية والحقد يصلون إلى درجة ممارسة الجريمة وتبريرها، وهو ما حصل بالضبط في مراكز الاعتقال النازية. كما يلجأ هؤلاء إلى الأسلوب الانتقائي فلا يحتفظون إلا بكل ما هو مؤيد لقناعتهم، ويسحبون من خصومهم كل ما من شأنه مناقضة أطروحتهم. فالمتعصب يظن أنه دائمًاعلى حق وفي الحالات جميعها. وتصاحب ذلك طاقة عاطفية تعطل الحس النقدي وتنجح في حجب العقل ما يفتح المجال للغلو وحتى للجنون. ولا يمرّ المتعصب بهذه الحالة بشكل مؤقت، بل إنها تغدو شعورًا مستمرًا ملازمًا له وفي كل ظروفه، فهو المالك المطلق للحقيقة.

حذار من الحيل الكامنة في المعرفة ذاتها

اقترح موران عددًا من وسائل الصمود لمواجهة هذه الظاهرة، وجعل التربية في مقدمتها، وإن كانت تتطلب وقتًا طويلًا. لكنه ألح على ضرورة البدء في رسم معالمها منذ الآن. ومن خلال تجاربه لاحظ أن الأنظمة التعليمية والتربوية السائدة لا تشير إلى الحيل التي تصنعها المعرفة نفسها. فالمعرفة عنده، هي إعادة تركيب المفاهيم نفسها بأشكال متعددة، ولذا لا يمكن الاكتفاء بترسيخ المنهج النقدي، بل يجب أيضًا الكشف عن المخاطر والحيل الكامنة داخل هذه المعارف، التي لها واجهات متعددة، ويمكنها إخفاء جوانب سلبية إلى جانب المضامين الإيجابية.


في مرحلة المراهقة ينجز كل شيء

من هنا يميل الفيلسوف الفرنسي إلى وجوب إدراج معرفة الآخر ضمن المناهج التعليمية، ليس من أجل تحديد العلاقة بالثقافات الأخرى فحسب، بل بسبب وجود اختلافات مهمة داخل الثقافة الواحدة، لا بدّ من التعرف إليها والنجاح في أسلوب إدارتها، ليتسنى بناء علاقات سليمة داخل الإطار الثقافي المشترك. أي يجب التأكيد أن الآخر يشترك معنا في الإنسانية وفي أشياء عديدة، لكنه في الآن نفسه يختلف عنا بحكم خصوصياته، ويجب القبول بهذا الاختلاف. ما يعني أن هناك إصلاحات عميقة يجب التعجيل بها داخل المنظومة التعليمية والتربوية، حتى وإن كانت ثمارها تطلب وقتًا طويلًا. إذ إن شخصية الفرد تتشكل في الفترة الحاسمة بين 11 و18 عامًا، بينما يغدو من الصعب بعد هذا العمر تعديل شخصية الشاب، إذ تكون قد اكتملت. وإن كانت التربية تبيّن ما يمكن عمله إزاء الفرد، فإن التضامن برأي موران هو عمل المجتمع. فعلى القوى الوطنية أن تعبر بشكل جماعي عن وقوفها ضد هذه البربرية. كما يجب أيضًا تأسيس حالة تضامن بين مختلف الشعوب سواء أكانت إسلامية أم غربية. ومثّل لذلك قائلًا: "كتبت مؤخرًا في سياق الدعوة للوقوف إلى جانب السوريين، وطالبت بتوحيد الأطراف الأقل بربرية ضدّ الأكثر بربرية، لأن ما حصل في سورية هو ما وفر المناخ الملائم لنشوء داعش".

كيف يفقد الدواعش الأمل في إقامة خلافتهم؟

ثم انتقل موران إلى تجربته الشخصية في معايشة "الألوية الحمراء"، التي نفذت سلسلة من الاغتيالات في الدول الأكثر حداثة في أوروبا. ففي البداية قتل هؤلاء خصومهم بدم بارد ظنًا منهم بأن من شأن ذلك أن يؤدي لتغيير الأوضاع وتحقيق الآمال التي تعلقوا بها، لكنهم فيما بعد فتحوا عيونهم على الواقع، وبلغ بهم الأمر درجة التعبير عن ندمهم على الجرائم التي ارتكبوها. ماذا يعني هذا المثال؟ يعني أن الذي سيساهم في إلحاق الهزيمة بداعش هو إضعاف الأمل لديهم بإمكانية إقامة خلافة تضم جميع دول منطقة الشرق الأوسط، وجعلهم يشعرون أيضًا باستحالة إخضاع الكرة الأرضية لما يظنونه الفهم الصحيح للدين. وبالتالي كلما استمر الصمود في وجه هؤلاء وازدادت قوة وتوفر التضامن بين الأمم والشعوب كانت النتيجة تراجع تمسكهم بهذا الأمل الزائف إلى أن يتوقف نهائيًا.


من حق الشباب مقاومة الفقر والتغريب

لم ينس موران الحقبة الاستعمارية التي مرت بها دول الشرق الأوسط، بدءًا من الخلافة العثمانية وصولًا إلى الدول الغربية، وهو ما جعل شعوب المنطقة وخاصة شبابها يشعرون بالمهانة. ومن حق هؤلاء الشباب أن يرفع عنهم هذا الإحساس بالتهميش والإقصاء، وأن يقاوموا الفقر وغياب العدالة والتغريب وهيمنة منطق الربح على حساب الحياة الكريمة الجماعية. كما اعتبر أن الأزمة الحالية عالمية وتشمل كل الشعوب، وهو ما يفسر تصاعد مختلف أشكال التعصب سواء أكانت دينية أم عرقية. وفي ذلك مؤشر واضح على الأزمة التي تعاني منها الإنسانية تشمل جوانب متعددة، منها تدهور المنظومة الاقتصادية والبيئية، وتصاعد مستويات التسلح وغيرها. وأضاف "نحن في مأزق كبير، وعلينا استعادة هويتنا الإنسانية، ويجب أن يدرك كل واحد منا أنه جزء من مغامرة جماعية تتجه نحو المجهول. فالخطر الداعشي يريد أن يكون عالميًا، وفي المقابل علينا أن نواجهه استنادًا إلى وحدتنا الإنسانية".

لا تعصب بريئًا

نفى موران وجود تعصب بريء، وذلك في رده على من حاول إيجاد مبرر لليسار الراديكالي الأوروبي الذي لجأ إلى الإرهاب، فجميع أشكال التعصب سواء أصدرت عن اليمين أو اليسار أو الوسط، هي عنده مذمومة وخطيرة، لأن التعصب هو مرض يصيب روح الإنسان، لذا يجب التصدي له عبر التربية والتعليم. وفي تفاعله مع من طالب بضرورة التمييز بين تنظيم داعش والتنظيمات الثورية التي مارست العنف في أوروبا، أجاب موران أن "رغم وجود فوارق أساسية بين التجربتين، إلا أنهما تشتركان في الإيمان بضرورة تغيير العالم الذي عفّنته الرأسمالية عند اليساريين، وأفسده الكفار والغربيون عند الدواعش. وهذا يجعلني أقول إن التعصب ليس صناعة إسلامية، بل ثمة أشكال عديدة من التعصب التي لا تزال مقيدة بمحليتها. كانت الشيوعية عبارة عن دين أرضي، ووعدت بتعميم السعادة على جميع الناس، ومنحهم وعدًا مطلقًا، وكان لديها كبقية الأديان أبطالها وشهداؤها وجلادوها. وبالتالي علينا التوقف عن اختزال المسائل".

يحتاج الناس للديمقراطية عندما يفقدونها

وفي ردّه عن سؤال ألقاه وزير المالية السابق حكيم بن حمودة، حول الأزمة التي تمر بها قيم الديمقراطية في العالم، ذكر موران أنه في حالات الاستبداد والقهر تصبح الديمقراطية حاجة ملحة، لكن ما إن تنتصر الديمقراطية حتى تتجدد الأزمات وتتعرض إلى النقد من داخلها، فالأحزاب تعيش اليوم صراعات حول الأفكار، وكلما اتسع عدد هذه الأفكار اشتدت الصعوبة في عملية تنزيلها في عالم تتناقض فيه المصالح. وقد قال أحد المثقفين الكبار "الديمقراطية لا تملك حقيقة"، ولذا سيكون من الصعب أن يقبل الأفراد التعايش مع أفكار أخرى مناهضة للديمقراطية.


مقاومة التعصب في إطار ديمقراطي

لذلك ألح موران على ضرورة مقاومة التعصب ضمن إطار ديمقراطي. فكما أن معركة حماية البيئة هي معركة محلية، لكنها في الآن نفسه تمثل تحديًا عالميًا. وبالتالي قضية التعصب محلية وعالمية في آن، ولا يمكن مواجهتها ضمن أطر محلية معزولة. إنها جزء من العولمة التي فرضت علينا البحث عن إنقاذ مصيرنا المشترك، ولذا كلما استيقظ الأمل في داخل كل واحد منا، تضاءل أمل الداعشيين في الوصول إلى أهدافهم. ثم استنتج أنه حين يصل نزاع ما إلى حالة التعفن الشديد فإنه يصبح بدون علاج. ومثّل لذلك من الواقع، مشيرًا إلى القضية الفلسطينية والأزمة السورية، فاستمرار الغرب في قصف سورية بما في ذلك قتل المدنيين ليس عملًا ناجحًا ولا ذكيًا. يجب تقديم رسالة أمل لسكان الشرق الأوسط. واعتبر أن العنف الهمجي بلغ مداه في سورية، وأصبح الآن من الضروري القبول بمختلف أنواع التسويات سواء مع الصين أو روسيا، وكذلك بين الشيعة والسنة، المهم أن تكون السياسات متناغمة لا متناقضة، وحينها يمكن القضاء على آمال الدواعش في تغيير العالم العربي أو الدول الغربية. وعندما يهزمون، يجب أن تتوفر الشجاعة السياسية لدى الجميع لمعالجة النتائج. وختم موران نقاشه بتأكيد أن عملية الانتقال الديمقراطي في تونس تشكل مسارًا مهمًا وحيويًا، على الدول الغربية أن تدعمه بقوة، وأن تدرك أهميته الاستراتيجية، خاصة في ظلّ ما يحصل في ليبيا. إذ على المجتمعات أن تخلق أملًا أكبر وحلمًا كي تنجح في استقطاب شبابها. عندما يغيب الحوار وينطفئ نور الحكمة فإننا نصل حتمًا إلى الهذيان.

المساهمون