إخوتي في العروبة والدين .. والعنصرية!

02 يونيو 2020
الصورة
لم أنزعج كثيرا، أو قليلا، بظاهرة التدوين ضد مصر في بعض دول الخليج، لا سيما الكويت، ولم تغضبني الفيديوهات التي تشتم، أو تنال من مصر وأهلها وتاريخها، وتعاير المصريين بفقرهم، وبحاجتهم للعمل في الخليج لأن بلادهم ضاقت عليهم، ولم تتسع سوى للصوص الذين يحكمونها ليسرقوها. أزعجني طبعا فيديو سحل المصري في السعودية، وهو يشبه، إلى حد بعيد، فيديو الاعتداء على جورج فلويد الذي قامت الدنيا من أجله، غير أن المصري لم يزل، من الناحية البيولوجية، حيا!
انتشر، في الأيام الماضية، فيديو لطفلة كويتية، تسبّ الجالية المصرية في بلادها، وانبرى مصريون، بالآلاف، للرد عليها، ببوستات وتغريدات وفيديوهات أغلبها كوميدي. قبلها بأيام، تحديدًا في عيد الفطر، نشر نجم نادي الزمالك، شيكابالا، صورته مع عائلته لتهنئة جمهوره بالعيد، وجاءت التعليقات لتسخر منه، ومن لون بشرته الأسمر، وزوجته غير المحجبة. بلغت التعليقات في عنصريتها وقذارتها وانحطاطها حد الخوض في عرضه، والتشكيك في نسب ابنه له، لأنه وسيم، لا يشبه أباه، ذلك كله ردًا على: "كل عام وأنتم بخير". كان المعلقون يكتبون بأريحية، لا يختبئون خلف حسابات إلكترونية مزيفة، ولا يتحرّجون، بل يجدون أنصارًا لعنصريتهم، وتكرارا، و"لايك" و"ريتويت" لبذاءاتهم. كانوا أغلبية، ومبرراتهم ليست كروية فحسب، ولكن دينية أيضا، وساخة لوجه الله، نصرة للدين والشرع وقيم العفاف والفضيلة، والحجاب. حين تقارن تعليقات "تويتر" على شيكابالا، بفيديو الطفلة الكويتية، وأشباهها، تدرك أن "الكوايتة غلابة"، وتلاميذ، وإذا أرادوا أن يتعلموا العنصرية، "بحق الله"، فعليهم أن يبحثوا عن "المدرّس" المصري!
يتذكر جيلنا كله الغزو "الصدام حسيني" للكويت. دعك من الموقف الرسمي المصري، فلم يكن لوجه الله، ولم يتحرّك أحد من أجل الكويت إلا لمصلحته، وحساباته. ما لا يُنسى هو موقف المصريين، أنفسهم. سائق التاكسي الذي كان يرفض تقاضي أجره حين يعلم أن الزبون كويتي، صاحب السوبر ماركت الذي كان يفعل المثل، صاحب البيت الذي كان يؤجر من دون شروط، الاستقبال والحفاوة والتعاطف، كلمات عبد الرحمن الأبنودي، شاعر مصر الأعظم، في حفل الليلة المحمدية التي أعاد كتابتها لصالح الحق الكويتي، وأهداها لعبد الله الرويشد، وسعاد العبدالله، وحشد الوجدان العربي كله خلف الكويت. كان الأبنودي في ذلك الوقت صوت الكويتيين، وبريد مأساتهم. وكذلك ياسمين الخيام، المطربة المصرية الكبيرة التي أصرّت على المشاركة، وغنت تشكو إلى النبي أحوال الأمة. ارتفعت الأعلام الكويتية في أكبر مسرح مصري، وتابع ملايين المصريين وتفاعلوا وانفعلوا، جميعهم، حتى أن الأبنودي كتب بعدها، يفتخر بأنها المرّة الأولى التي يتابع فيها المصري المسيحي حفلا دينيا إسلاميا، بالأساس، ويحفظ أغنياته ويردّدها، من أجل الكويت.
كانت مشاعر حقيقية، لا سياسية، ولا مصلحية نفعية، مشاعر عروبية وإسلامية وإنسانية، لا ينتظر أصحابها المقابل. تأثرت مصر، فأثرت في الجميع، وكان ذلك هو الانتصار الشعبي، الحقيقي، الذي يتجاوز حسابات العروش والجيوش، إلى ما هو أعمق. منحت مصر القضية الكويتية بعدها الأخلاقي، وحالت دون أي تعاطف مع صدّام، وأي تأثير لأذرعه الإعلامية. كانت مصر، ولم تزل، وهي في أسوأ حالاتها، فاعلة ومؤثرة. لا أتحدث عن السياسة، أتحدّث عن الإنسان، وهو ما يهمني، في مصر وغيرها. لم يفقد الإنسان المصري قدرته على التأثير في محيطه العربي يومًا، سلبًا وإيجابًا، وهو ما يدركه الجميع، وإنْ لم يعترفوا به. تعوربنا فأثّرنا، تعنصرنا فأثّرنا. واليوم نحن نصدر نسختنا الوطنية الشوفينية إلى الخليج وإلى غيره، ويتأثر بها أبناء جيل جديد لم يقرأ الأبنودي، ولم يسمع الرويشد، لكنه قرأ أيمن بهجت قمر وسمع عمرو دياب وعمرو أديب. ظاهرة التعالي على المصريين لن تجدها في الخليج وحده، بل في دول عربية أفقر من مصر وأكثر بؤسا. تعريفاتنا للوطنية ترتد إلينا. مواقفنا من القضية الفلسطينية، والربيع العربي، ترتد إلينا. تهاوننا في الاعتقالات، والاختفاءات القسرية، والإعدامات المجانية، يرتد إلينا. ومن يهن يسهل الهوان عليه.
3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
محمد طلبة رضوان