إجراء الانتخابات: تعزيز للانقسام أم إنهاء له؟

27 أكتوبر 2019
الصورة
آخر انتخابات كانت في عام 2006 (محمود همص/فرانس برس)

تشكل الانتخابات بشكلٍ عام أحد المرتكزات الأساسية للعملية الديمقراطية، كونها تفرز ممثلين حقيقيين عن الشعب، يتحدثون باسمه، ويشرعون عنه، ويمارسون حقهم في مراقبة السلطة التنفيذية نيابة عنه، وبهذا تؤدي الانتخابات دورها في إحداث فعالية مجتمعية، وحيوية حزبية، وحركة سياسية، تساهم في توطيد السلم المجتمعي بتوفير آلية للتداول السلمي للسلطة، هذا بالتأكيد في الاوضاع الطبيعية، عندما تتوافر حياة سياسية حقيقية، وتسود أجواء مواتية عنوانها قبول الآخر والتسامح والتعامل بروح الشراكة التي يتساوى فيها الجميع في المسؤوليات والواجبات، ولكن هل هذا ينطبق على الحالة الفلسطينية، التي ترزح تحت نير الاحتلال الذي بات يتحكم بطريقة مباشرة وغير مباشرة في كل مفاصل الواقع الفلسطيني السياسي والاقتصادي والمعيشي، حتى بعد اتفاق اوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية عام 1994، لم يتبلور كيان فلسطيني حقيقي قادر على ممارسة حقه الطبيعي بحياة ديمقراطية سليمة وانتخاب من يمثله في أجواء من الحرية الكاملة، وحتى عندما جرت انتخابات تشريعية عام 1996، و2006 كأحد استحقاقات اتفاق أوسلو، كانت تصب في صالح مشروع التسوية الذي خدم ولا يزال مصلحة الكيان الصهيوني، فماذا حدث عندما فازت حركة حماس في انتخابات عام 2006، رفضت دولة الاحتلال مخرجات العملية الانتخابية وفرضت مع أطراف إقليمية ودولية حصاراً على الشعب الفلسطيني، وسارعت إلى اعتقال النواب المنتخبين عن حركة حماس في الضفة الغربية والقدس.

في حال إصرار حركة حماس وطيف واسع من فصائل العمل الوطني الأخرى، على مبدأ الانتخابات المتزامنة؛ رئاسية وتشريعية ومجلس وطني، وترتيب الأولويات الفلسطينية بتقديم إنهاء الانقسام، وتشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة تشرف على إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وإجراء انتخابات شاملة، قد تلجأ السلطة الفلسطينية إلى إجراء انتخابات تشريعية في ظل الانقسام، بالاكتفاء في إجرائها في الضفة الغربية والقدس أو في الضفة فقط، وبتمثيل شكلي مصطنع لقطاع غزة، وفي هذا الإطار طرحت أطراف في السلطة الفلسطينية في رام الله بعض الآليات لتجاوز رفض مشاركة حركة حماس، منها اعتبار مناطق السلطة الفلسطينية دائرة واحدة، ومن لم يمارس حقه الانتخابي بشكل مباشر من خلال صندوق الانتخابات فمن الممكن أن ينتخب إلكترونياً لتجاوز عقبة عدم القدرة على الوصول إلى صندوق الانتخابات، ولكن هذا الطرح السطحي يشوبه كثير من السلبيات في حال تم تنفيذه، أهمها غياب الشفافية، واستحالة مراقبة العملية بمراحلها، وهو ما يشكك في نزاهة عملية الانتخابات برمتها وكل ما تفرزه من نتائج.

وطرح آخر تمثل في إجراء الانتخابات في الضفة الغربية واعتبارها ممثلة لكل مناطق السلطة الفلسطينية، كما في حالة جزيرة قبرص، التي سيطرت تركيا على الجزء الشمالي منها لحماية الأقلية التركية عام 1974، وما زالت الأمم المتحدة لا تعترف بقبرص التركية، ولا تتعامل إلا مع قبرص اليونانية وتعتبرها الممثل الشرعي لكل القبارصة، ولكن واقع قبرص المقسمة يختلف كلياً عن الواقع الفلسطيني لأسباب لا يتسع المجال لذكرها.

وهناك طرح يتلخص في إجراء الانتخابات في الضفة كمرحلة أولى، ومن ثم إجرائها في قطاع غزة حينما تتوفر الظروف المناسبة، ولكن الظروف الحالية تشي بأن إجراء الانتخابات في الضفة فقط، يعني تأبيد الحالة السياسية الفلسطينية بما ينسجم مع مخرجات هذا الطرح.

وفي جميع الأحول فإن إجراء الانتخابات التشريعية في ظل الانقسام ودون حد أدنى من التوافق الوطني، واقتصار إجرائها على الضفة الغربية لا يعني سوى مأسسة الانقسام، وتوفير كافة الأسباب لتعميقه وتأبيده.

وقد يتم إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بغض النظر عن توقيتهما، في سياق صيغة وطنية توافقية، سواءً بإنهاء الانقسام وتشكيل حكومة وطنية جامعة تشرف على العملية الانتخابية في مراحل لاحقة، أو مع بقاء حالة الانقسام، ولكن ما مدى قبول نتائج الانتخابات والتعاطي مع مخرجاتها.

فإذا فازت حركة فتح والمتحالفين معها، فستكون نتائج الانتخابات سيفاً مسلطاً على حركة حماس وعلى الفصائل الفلسطينية المعارضة الأخرى، بحكم التجارب السابقة وتعامل الحركة تاريخياً مع المعارضين والتي قامت على الإقصاء والاستئثار واحتكار القرار الفلسطيني، ثم كيف ستدير السلطة في رام الله قطاع غزة وتقبل عشرات آلاف الموظفين من غير حركة فتح في المؤسسات الأمنية والمدنية، وما المنطق التي ستدير به علاقاتها مع فصائل المقاومة المسلحة، هل سترضخ لإسرائيل بتفكيكها ومصادرة سلاحها؟

ومن ناحية أخرى، فإن حظوظ حركة فتح في الفوز في الانتخابات خاصة في الضفة الغربية والقدس تعتبر ضعيفة بمنطق الحسابات السياسية الداخلية ورصيد الحركة في الشارع الفلسطيني، فوصمة التنسيق الأمني ومحاربة المقاومة في الضفة لا تقتصر على الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، بل على حركة فتح نفسها التي تدير السلطة وأجهزتها الأمنية، عوضاً عن اتهامات بالفساد والمحسوبية واستغلال المال العام، واختزال منافع السلطة بطبقة من كبار رجالات الأجهزة الأمنية والوزارات الحكومية أغلبهم من حركة فتح، ثم ما البرنامج السياسي التي ستخوض به حركة فتح الانتخابات بعد الكوارث التي تسبب بها اتفاق أوسلو، وانسحاب إسرائيل من عملية التسوية لصالح المشروع الاستيطاني التهويدي، وسقوط حل الدولتين إلى غير رجعة، فهل ستقبل حركة فتح بهزيمتها في الانتخابات، وإذا كانت مقتنعة بصعوبة تجاوز الانتخابات بنجاح فما الذي يمنعها من تزويرها؟

وإذا فازت حركة حماس وافترضنا جدلاً استعداد حركة فتح للتسليم بنتائج الانتخابات، هل تقبل إسرائيل بذلك خاصة في الضفة الغربية التي تسيطر عليها سيطرة شبه كاملة، وتتعامل مع حركة تصفها بـ"الإرهابية"، وهل يقبل النظام العربي الرسمي المعادي للإسلام السياسي، والعالم الغربي الذي ينظر لحركة حماس من المنظار الأميركي المعادي.

إن أي انتخابات في المرحلة الحالية دون توافق وطني، وآليات واضحة، وتحضيرات واستعدادات خاصة وعلى الجميع الصعد، والأهم من ذلك صلاحيتها لإخراج الحالة الفلسطينية من ضائقتها الاستراتيجية، فإنها ستكون انتخابات عبثية، ستعمل على اتساع هوة الانقسام، وتبديد جهود الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال ومشروعه الاستيطاني.