إبراهيم سرحان في شاتيلا

18 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

ما حاجة الإسرائيليين إلى أن يدخلوا مخيم شاتيلا، بعد أن غادر المقاتلون الفلسطينيون لبنان؟ لماذا يطلقون القنابل المضيئة؟ ما الذي يحدث؟ .. بعض أسئلة طافت في بال إبراهيم سرحان، في غرفته وحيدا في المخيم، وهو يسمع أصوات رصاص وقنابل، "ويرى حركةً ضاجّة في الظلام". كان يسمع أغنيةً لمحمد عبد الوهاب من الراديو، ويحاول أن يتذكّر إن كانت من فيلم "يوم سعيد"، ثم يحسم إنها من "دموع الحب"، فيذهب، من لحظته هذه إلى يوم حضوره الفيلم في سينما الحمراء في يافا، ربما في العام 1937، لمّا حضر عبد الوهاب نفسُه، وغنّى. يدندن إبراهيم كلمات الأغنية، يسكب فنجان قهوة، يشعل سيجارةً من عقب الأولى. تنقطع الكهرباء، ولكن مصباح الغاز  معدٌّ سلفا. ومن بعيد، يتناهى إلى سمعه صوت محرّكاتٍ تتوقف، تتبعها جلبة. يسحب صورةً بالأسود والأبيض، مضى عليها أربعة وأربعون عاما. شرائط من ذاكرته تتواتر إلى باله. يلتقط أمتارا مقصوصةً من أشرطة سينمائية، ويبدأ النظر إلى لقطاتها المتتابعة، مستعينا بعدسةٍ مكبّرة وضوء المصباح. يندلع رصاصٌ من مكان قريب، يلقي شريط الفيلم جانبا، وينهض إلى النافذة ليستطلع الأمر. تنفجر قنابل مضيئةٌ في سماء المخيم، تحيل ليله إلى نهار. تزدحم الأسئلة في رأسه، وهو يتأمل حركةً محمومةً في الأزقة، وفي الأثناء، تصل إليه أصوات الرصاص من كل الجهات. .. ثم ينكسر باب الغرفة، وينتصب أمامه شبحان أسودان لمسلحيْن. لا يجد إبراهيم سرحان تفسيرا لما يرى، ويكتفي بنظرة ذهولٍ وتساؤل إلى شعار شجرة الأرز على قبعة أحدهما. يدخلان الغرفة، وكان عبد الوهاب قد وصل إلى المقطع الأخير من الأغنية. يركل أحدهما الراديو فيسقط على الأرض، لكن عبد الوهاب يبقى يغنّي، ثم برصاصةٍ على الراديو، يسكت.

هل حدث هذا في غرفة مصوّر السينما الفلسطيني الرائد، إبراهيم سرحان، في مخيم شاتيلا، ليلة المذبحة في سبتمبر/ أيلول 1982؟ لا. لكن سرحان كان هناك، وكانت المذبحة. أماّ المشهد المشخّص أعلاه، فهو إيجازٌ لأولى صفحات رواية "موفيولا" (دار فضاءات، عمّان، 2013)، تخيّله كاتبها، تيسير خلف، بتفاصيل أكثر حرارةً، واستهلّ بها روايته التي تقاطع فيها الموثّق بالمتوهّم، الحقيقيّ بالمتخيّل، وتناوبت فيها أزمنة الحكي والسرد والقص، ودارت بين أكثر من راهنٍ وأكثر من ماضٍ، وتنوّعت فيها الأمكنة. شاغلها الأساس فلسطين، في مقطعٍ من تغريبتها، غير ذائع. ولأن الأدعى هو قراءة هذه الرواية التي أضافت، عن حقّ، تنويعا طيبا في المدوّنة الروائية الفلسطينية، فإن هذه السطور ليست معنيةً بإيجازٍ لها، وقد استحقّت قراءاتٍ نقديةً مقدّرةً التفتت إلى موضوعتها، والأهم إلى "لعبة" السرد فيها. 

إبراهيم سرحان واحدٌ من ثلاثة أبطال مركزيين في الرواية، الأمر الذي يعني جواز أن يعدّ المفتي الحاج أمين الحسيني أحدهم. الأول السينمائي الفلسطيني، محمد صالح الكيالي، والذي تعلم السينما في إيطاليا، والتقى فيها المفتي هناك، بل وصوّر لقاءه مع موسوليني. لا بأس من أن يكون انقضاء 38 عاما، أول من أمس، على مذبحة صبرا وشاتيلا، مناسبة هذه الالتفاتة، المتجدّدة، إلى رواية تيسير حلف التي صاغت مشهدياتٍ وحكاياتٍ من يافا والقدس وبيروت وباريس وإسطنبول وميلانو وروما وبرلين والقاهرة وطرابلس الغرب، وأيضا من مخيم شاتيلا. من 1925 إلى العام الذي مات فيه إبراهيم سرحان في 1987. ومشهد تابوت هذا السينمائي الفلسطيني في المخيم إلى مثواه هو آخر مقاطع الرواية التي استهلّت صفحاتِها بتلك الدندنة مع عبد الوهاب لمّا صارت المذبحة.

"موفيولا" واحدةٌ من روايات الخسران الفلسطيني، ومنه فقدان فلسطينيين طموحين، نابغين، موهوبين، أحلامهم، لمّا لاحقهم الإحباط والنكران والخيبة. وإبراهيم سرحان ينتهي سمكريا في مخيم شاتيلا، لا يستطيب أن يحدّثه أحد عن السينما، وهو مصوّر أول فيلم فلسطيني متحرّك، من 20 دقيقة، في تصويره في يافا، العام 1937، زيارة الأمير سعود بن عبد العزيز فلسطين. صنع أفلاما أخرى، وكان له أستديو في يافا. وإذا قرأتَ عنه أكثر، ستعرف أنه مصوّر أول فيلم سينمائي روائي أردني، "صراع في جرش"، العام 1957. .. ثم في يوم ممطر في مخيم شاتيلا، يموت السمكري إبراهيم سرحان، بعد خمسة أعوام من المذبحة، أربعةٌ فقط يمشون في جنازته، ابنه وزوجته وزوجة ابنه منهم. .. شكرا تيسير على ما كتبتَ، على تحيّتك إلى اسم إبراهيم سرحان، سينمائيا في فلسطين، ثم وحيدا في غرفته ليلة المذبحة في مخيم شاتيلا.