أي معنى للوائح "أفضل الأفلام"؟ تكرار سنوي لفعلٍ غير مُفيد

03 اغسطس 2020
الصورة
أورسون ويلز و"المواطن كاين": أفضل فيلم من دون لوائح صحافية (آبيك/ Getty)

مؤسّسات إعلامية وصحافية غربيّة مرموقة تنشر إحصاءات واستطلاعات رأي صحافية ونقدية بين حين وآخر، وغالباً في نهاية عامٍ منصرم، تتعلّق بمسائل سينمائية، أبرزها تقليد، سنويّ غالباً، يتمثّل بلوائح يضعها نقّاد وصحافيون سينمائيون مختلفو الجنسيات والثقافات والأمزجة، يجتمعون على اشتغال في شؤون السينما. واللوائح تتضمّن اختياراتهم المتعلّقة بأفضل الأفلام المُشاهَدة في عامٍ فائت، أو في تاريخ السينما. تقليدٌ تتمسّك به مؤسّسات غربيّة (وتنسخه جهاتٌ عربيّة)، ترى فيه امتداداً لاهتماماتٍ نقدية، أو تكريساً لـ"تُحفٍ" يختارها هؤلاء من دون غيرهم، ويضعونها في واجهة المشهد.

هذا عمل صحافي بحت، لا علاقة له بالنقد، وإنْ ينطلق من نقدٍ يمارسه المشاركون في وضع تلك اللوائح في حياتهم المهنيّة اليومية. عمل منبثق من تفكير تدريسيّ/ تعليمي/ تلقيني بحت، كذاك المتمثّل بوضع "نجومٍ" تكشف "رأي" صحافي أو ناقد بأفلام تُعرض حديثاً، كأنّ صاحب الرأي غير راغبٍ في تحليل نقدي، أو كأنّ الفيلم بحدّ ذاته غير مستحقّ منّه تحليلاً نقدياً، فيكتفي بـ"نجمة" أو أكثر تفادياً للتغاضي عن جانبٍ من مهنته، وتجنّباً لتحليلٍ يعجز عن كتابته، أو لن يكون جاهزاً لتلك الكتابة.

الـ"أستذة" حاضرة في فعلٍ كهذا. اللوائح ـ وإنْ تحتوي غالباً على "تُحفٍ" تستحقّ أنْ تبقى منارات في صناعة السينما، وإنْ بعد سنين على إنجازها ـ غير متمكّنة من تقديم شيء يمكن الركون إليه في كتابة أو نقاشٍ أو حوار، فهو خالٍ من تفاصيل أو معطيات، ومجرّد من كلّ فكرة أو معلومة أو تحليل أو رأي. مُنظّمو تلك اللوائح يريدون من نقّادٍ وصحافيين سينمائيين اختيار 10 أفلام يعتبرونها الأهمّ في عامٍ ماضٍ، أو 100 فيلمٍ في تاريخ السينما. التفصيل الوحيد يتعلّق بتاريخ الإنتاج واسم المخرج والبلد الذي ينتمي المخرج إليه، أو الجهة الإنتاجية الأبرز.

في هذا نَفسٌ تعليميّ بالطريقة المدرسيّة غير المفيدة بشيء. لوائح كتلك تبقى أرشيفاً لعلّه يُساعد مهتمّاً يرغب في اختيار فيلمٍ للمُشاهدة، بناء على "نصيحة" عابرة من ناقدٍ أو صحافي أو مؤسّسة إعلامية أو مطبوعة سينمائية، وبعض المطبوعات السينمائية تلك نقدية وفكرية. والاختيار، في حالةٍ كهذه، مرتبطٌ باسم فيلم أو باسم مخرجٍ يميل المرء إليهما، وينفضّ غالباً عن اسم الذي يختاره للائحة كهذه، فأسماء النقّاد والصحافيين السينمائيين أقلّ شهرةً بكثير من أسماء مخرجين، علماً أنّ لوائح كهذه غير معنيّة بممثلين وممثلات، هم أشهر من غيرهم، جماهيرياً، في صناعة السينما.

نادرون هم النقّاد والصحافيون السينمائيون الذين لهم شهرة واسعة عند مُشاهدين مهتمّين بالفن السابع بجوانبه كلّها. وإذْ ينقص عدد هؤلاء المشهورين في الغرب، فإنّ عددهم في العالم العربيّ أقلّ منه بكثير، وغالبيّتهم معروفة في عالم المهنة لا أكثر. بينما للصحافيين الفنيين، وإنْ يهتمّ بعضهم بالسينما، حضورٌ شبه طاغٍ في إعلام وصحافة عربيّين، غير مُهتمّين بالنقد والصحافة السينمائيين، على غرار الاهتمام الغربيّ بهما. أما تلك اللوائح، التي يُشارك فيها عربٌ أو التي يصنعها عربٌ، فتبقى مجرّد لعبة لتسليةٍ عابرة، يظنّ نقّاد وصحافيون (عربٌ وأجانب) أنّها مفيدة نقدياً، أو فاعلة ثقافية، أو سليمة مهنيًاً. فالمهتمّ بالسينما أقدر، غالباً، على اختيار ما تطلبه نفسه وروحه وثقافته ورغباته ووعيه، بينما تملأ اللوائح فراغاً يحتلّ مهنةً بين حينٍ وآخر.