أي مستقبل للأحزاب في تونس؟

13 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

في توصيفه الحزب القادر على الحكم والقيادة، يذهب المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 -1937) إلى "الأهم أن يفرض الحزب السياسي هيمنته قبل الوصول إلى الحكم، وأن يرتقي في سلّم المصداقية، وأن يتعايش تحت مظلته السياسيون والمثقفون على السواء، في تعبير فريد عن وظيفته القيادية"... يستحضر التونسيون هذا الرأي لغرامشي مع عودة الجدل، لمناسبة تشكيل حكومة جديدة برئاسة هشام المشيشي، بشأن جاهزية (وقدرة) الأحزاب التي ظهرت ما بعد الثورة (226 حزبا!) على الحكم بما هو حسن إدارة الشأن العام وتحقيق المقبولية المجتمعية الضرورية لهذا الحكم.

ليس هذا الجدل الذي يعيشه التونسيون اليوم جديدا، ومنذ قيام ثورتهم، ومع تشكيل كل حكومة يعاد طرح السؤال بتفرعاته الأخرى، وأهمها: حكومة محاصصة حزبية وبأي حزام برلماني أم حكومة كفاءات أو "تكنوقراط "، ولماذا الانتخابات إن لم تحكم الأحزاب الفائزة؟ نظريا، يبدو هذا الطرح منطقيا، ومن صميم العملية الديمقراطية، فالأحزاب هي حجر الزاوية في التجارب الديمقراطية، تأسست لتخوض المعارك الانتخابية. ومن حقّ من يكسب تلك المعارك أن يرتقي إلى سدة الحكم. أما في التجربة التونسية الفتية، فإن حكم الأحزاب، كبيرها وصغيرها، مجسّم في تسع حكومات، لم يراكم غير الفشل، إذ لم تقدّم الأحزاب الحاكمة لناخبيها ما وعدت به من إصلاح فعلي لواقع معيشي صعب، ما جعل البلاد تدخل نفق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لم تخرج منه بعد.

بعد تسع تجارب من الحكومات الحزبية، تضاءلت ثقة التونسيين في الأحزاب، لم يعد يثق فيها سوى 5%

بعد تسع تجارب من الحكومات الحزبية، تضاءلت ثقة التونسيين في الأحزاب، إذ لم يعد يثق فيها سوى 5% حسب استطلاعات الرأي الشهر الماضي (يوليو / تموز)، وقد شكّل هذا المعطى، مع عناصر أخرى، أسباب فشل الحكومات التي سرعان ما تجد نفسها في جلباب الريبة والشك والتردّد، أسابيع قليلة بعد ممارسة الحكم. ومع فقدان الثقة التدريجي في الأحزاب، تمكّنت القوائم المستقلة في الانتخابات البلدية أخيرا من الاستئثار بنحو ثلث الأصوات، متقدمةً على حركة النهضة، وهو الحزب الأول في البرلمان (54 مقعدا).

عمّق فقدان ثقة التونسيين في أحزابهم أزمة هذه الأخيرة، وجعلها تفقد أعدادا هامة من ناخبيها، فقد فقدت حركة النهضة من خزّانها الانتخابي ما يقارب المليون ناخب. والحزب الكبير الثاني الذي تآلف معها في الحكم (نداء تونس) تشظّى، ولم يعد له وجود في الساحة السياسية، وظهرت صور بائسة لهذه الأحزاب في المشهد البرلماني الذي أصبح حلبة للصراخ والمناكفات و"السياحة الحزبية" التي جعلت الناخب يميّز بين الأحزاب والألوان والشعارات، بسبب كثرة تنقل المنتسبين لأحزاب برلمانية من كتلة إلى أخرى، ناهيك عن حرب اللوائح والاعتصامات وحملات إسقاط رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، وغيرها.

لم تقدّم الأحزاب الحاكمة لناخبيها ما وعدت به من إصلاح فعلي لواقع معيشي صعب، ما جعل البلاد تدخل نفق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

في تشخيص لأزمة الأحزاب في الساحة السياسية التونسية، ورصدا للشروط التي يجب توفرها حتى تستعيد هذه الأحزاب ثقة ناخبيها، ولعب دورها المتوقع في مسار الانتقال الديمقراطي، أسوة بالدور المهم الذي لعبته أحزاب فاعلة في التجارب الماثلة التي عرفتها أميركا اللاتينية وأوروبا الوسطى والشرقية بعد انهيار جدار برلين (1989)، يمكن اعتبار الرؤيا والبرامج والمصداقية ومصادر التمويل وغياب الشفافية من أهم الشروط التي يجب توفرها حتى تستعيد هذه الأحزاب عافيتها.

هنالك غموض كثير يلف مصادر تمويل أحزاب برلمانية، فتح مجالا لتكهنات عديدة، لا تستبعد تلقي أحزاب تمويلات من جهات خارجية، عرفت بسياساتها في المنطقة لإفشال ثورات الربيع العربي، وقد استعصى عليها الأمر مع التجربة التونسية، ولذلك سخّرت المال والإعلام بغرض عرقلة المسار الثوري التونسي، وهو الدور الذي تقوم به الإمارات في تونس وغيرها.

وطفت ظاهرة أخرى مع بعض أحزاب ما بعد الثورة، وقد أسهمت في تسميم الحياة السياسية التونسية، سببها هذا الزواج المعلن بين "البزنس" والأحزاب والإعلام"، حيث استطاع رجال مال وأعمال وإعلام اعتلاء مواقع سياسية متقدمة، عبر أحزابٍ ليس في جرابها برامج ولا رؤى، ولا يعرف عن أصحابها ماض سياسي أو فعل ظاهر في خدمة الشأن العام، وقد وثّقت تقارير لجهاتٍ موثوقةٍ، أثر المال السياسي في كل نتائج الانتخابات، بشراء الذمم وتمكين بعض الأحزاب من إمكانات تفوق المتفق عليه قانونا، والأخطر من ذلك كله قبول التعامل مع جماعات تموّل من الخارج. ويتساءل التونسيون اليوم: هل يمكن لأحزابٍ تنقصها الشفافية والصدقيّة أن تقود مسارا انتقاليا مؤسّسيا؟

تكهنات عديدة لا تستبعد تلقي أحزاب تمويلات من جهات خارجية، عرفت بسياساتها لإفشال ثورات الربيع العربي

في تنزيل لواقع هذه الأحزاب في راهن الساحة السياسية التونسية، تجمع القراءات على أن ما يدفع إليه الرئيس قيس سعيّد من تشكيل حكومة جديدة ترأسها شخصية من خارج الأحزاب ومن رحم الإدارة، هشام المشيشي، هو نتيجة حتمية لتراكم فشل دور الأحزاب في إدارة الشأن العام، وتغذيتها التناحر السياسي داخل البرلمان وخارجه، ما فاقم حالة الإحباط الشعبية التي تجسّدت في معاقبة هذه الأحزاب ورموزها خلال انتخابات 2019.

لقد فتحت الأحزاب التي تناور الآن لتفادي سيناريو إقصائها من منظومة الحكم الطريق لرئيس الجمهورية، ليحمّلها مسؤولية تردّي الوضع العام في البلاد، وفشل المنظومة السياسية المتعاقبة، متوسّلة بالشرعية الانتخابية التي أصبحت تقابلها شرعياتٌ يلوّح بها الرئيس تأويلا للدستور، واستغلالا لغياب المحكمة الدستورية التي كانت الأحزاب الكبرى المسيطرة على البرلمان وراء تغييبها، وهي اليوم تدفع ثمن ذلك. وقيس سعيّد الذي لا يؤمن أساسا بدور الأحزاب، ولا بالمنظومة الانتخابية الحالية، ساعده تراكم فشل الأحزاب وتردّي صورتها داخل البرلمان، وفي الفضاء العام، وتراجع ثقة التونسيين في هذه الأحزاب، وها هو اليوم يحمّلها مسؤولياتٍ جساماً في صميم المخاطر الداخلية والخارجية التي تتعرّض لها البلاد، ومحاولات شلّ مؤسسات الدولة، وعرقلة مسار التنمية، ولذلك يواصل الرئيس التلويح بامتلاك الحلول الدستورية والمبادرات والصواريخ التي تمكنه من إفشال "مؤامراتهم"، ودحرهم إلى الزاوية، بانتظار إلغاء وجودهم أصلا.

نظريا، فشل الأحزاب وعجزها الواضح في خدمة البلاد والعباد أمر واقع

نظريا، فشل الأحزاب وعجزها الواضح في خدمة البلاد والعباد أمر واقع، فهل يعني ذلك أن الطريق سالكة آمنة لتشكيل حكومة كفاءاتٍ لا تمثّل فيها الأحزاب، علما أن الدستور الحالي يقرّ بشرعية البرلمان في المصادقة على الحكومات، ويوفّر لها حزاما حزبيا يبعدها عن حكومة الزواج من أجل الطلاق، كما حصل الأمر مع حكومة إلياس الفخفاخ المستقيلة أخيرا.

وبالتوازي، إذا اعتبرنا أن مجمل الأحزاب في تونس أصبحت تعاني من التشوّهات والعلل التي عطّلت دورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، هل تستطيع تونس عبور مسارها الانتقالي الديمقراطي الحالي، بغياب دور الأحزاب، وقد أثبتت مختلف التجارب الديمقراطية في العالم أن الأحزاب تظل حجر الزاوية في كل المجتمعات الديمقراطية .. بعض الأسئلة ترفع حتما لمستقبل الأحزاب في تونس.

35FE487F-4A9A-4B25-8DF9-AF430105714E
محمد أحمد القابسي