أين المفاجأة في هذا الفشل المصري؟

أين المفاجأة في هذا الفشل المصري؟

17 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
لم يكن مفاجئا عام 2013 بروز مشكلة الأضرار المؤكدة على أمن مصر المائي (والقومي بالضرورة) من بناء إثيوبيا سد النهضة، بسبب سياسة التجاهل التي اتبعها حسني مبارك تجاه أفريقيا، بل والتعالي المكابر عليها أحيانا. وكذلك ليس مفاجئا أن تعلن الدولة المصرية، الأسبوع الماضي، فشل مفاوضاتها مع إثيوبيا بهدف أن يتفادي بناء السد المسّ بحقوق مصر المائية من نهر النيل، فتقول وزارة الري إن هذه المفاوضات، بعد أحدث جولاتها في الخرطوم، وصلت إلى طريق مسدود، بسبب تشدّد إثيوبيا، وانتهاكها الصريح اتفاق إعلان المبادئ الموقع معها ومع السودان في 2015، بحسب وزير الخارجية سامح شكري. وأيضا لا مفاجأة في امتناع روما وبرلين (وغيرهما) عن الاستجابة لطلب القاهرة عدم مشاركة شركات إيطالية وألمانية في عمليات بناء السد. وللاسترسال والاستزادة، قد لا يعدّ مفاجئا ما يتردّد عن عدم حماس الخرطوم لإلحاح الحكومة المصرية على دخول طرفٍ رابع، يكون وسيطا (هل هو الولايات المتحدة؟) في المفاوضات التي لا تتوقف بين الخرطوم وأديس أبابا والقاهرة، من دون أن تتقدّم في ملف شكاوى الأخيرة من مخاطر غير هيّنة لسد النهضة على المصريين الذين يعاني بلدهم "فقرا مائيا"، على ما قال أخيرا رئيس حكومتهم، مصطفى مدبولي. 
يعود انتفاء المفاجأة في هذا كله إلى أن الحكم الراهن في مصر لم يحرز نجاحا في أي مسألة، زعم تصدّيه لها، إلا إذا صدّقنا اعتبار دراويش إعلامه قيادة الخارجية المصرية الفزعة العربية أخيرا للتنديد بغزو تركيا أراضيَ في شمال سورية إنجازا مظفّرا، دلّت فيه مصر مجدّدا على زعامتها العربية، على ما كتب بعض هؤلاء. ترتفع مديونية مصر، بحسب أحدث تقرير للبنك الدولي، والغلاء ما ينفكّ يضرب في المجتمع، والأسعار تزيد 50% في أحدث نوبات ارتفاعها، والإرهاب لا يتوقف، (البطالة تتراجع والحق يقال)، أما الاعتقالات اليومية والاختناق السياسي والإحباط العام وإعطاء جزيرتين للعربية السعودية والرهان الخاسر على خليفة حفتر في ليبيا، وركاكة الرئيس وبؤس حضوره الكاريكاتيري، فتلك، وكثيرٌ غيرها، موضوعاتٌ تحسم القناعة ببديهية المنجز الوحيد للسلطة الراهنة في أرض الكنانة، وهو الفشل. ولأن الأمر كذلك، فإن إخفاق المفاوض المصري أمام المفاوض الإثيوبي في قضيةٍ شديدة الحيوية، من حيث اتصالها بأمن المصريين وعيشهم، لا يصير مستغرَبا، ومن البلاهة أن يُحسَب أمرا مفاجئا.
ولكن، في الوسع أن يَرى واحدُنا أن الحكومة المصرية أحسنت صنعا لمّا صارحت الشعب بشأن حال المفاوضات مع أديس أبابا، في حديثها عن "تشدّد" الجانب الإثيوبي، وإن لم تجرؤ على الجهر بانعدام أوراق التأثير والضغط لديها على طاولة المفاوضات، ولكن المستهجن أن يقول عبد الفتاح السيسي إن "أحداث 2011" (؟) كان لها تأثيرٌ سلبيٌّ فاقم مشكلة سد النهضة. والأرجح أن ولعه بهجاء ثورة 25 يناير هو ما جعله يقول ما قال، من دون أن "ينوّر" مستمعيه بالضبط بشأن هذا التأثير، وكيف فعلتها تلك "الأحداث"، فصنعت بالمصريين ما صنعته في قضية النيل ومياهه. ومن البلاهة أن يُظنّ أن شيئا واضحا كان في خيالاتِ الرجل لمّا أدلى بدلوه هذا، غير أنه أفاد بأنه تابع، أخيرا، التعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي في قضية سد النهضة، ورأى فيها مبالغاتٍ وانفعالاتٍ، فيما "القضايا تحل بهدوء"، وأخطرَ المصريين أنه سيلتقي رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، في روسيا الأسبوع المقبل، وسيبحث معه الأمر. والبادي من كل هذا الكلام أن خيبة شعب مصر من السيسي وحكومته ستتفاقم، وإن أثرا شنيعا سيكون لبؤس إدارتهما ملف سد النهضة على عيشهم وأمنهم ومائهم وزرعهم، وقد قرأنا إن السدّ سيسبّب "تبوير" مليون فدّان في مصر.. وهذه مصيبة.
أمام هذا الحال، ونذره غير الطيبة، نرجو العلي القدير نجاة مصر منها، تعصى على الفهم دعوة معلقين مصريين، لهم حضورُهم في صحافة بلدهم، إلى الخيار العسكري مع إثيوبيا، ما يسوّغ السؤال عن قدرة الحكم في مصر على قرارٍ مثل هذا. أما تعليقات كثيرين عن مؤامرة جائزة نوبل للسلام في منحها لآبي أحمد على مصر، فيحسن حسبانها مدعاةً للتسرية عن النفس، تماما كما قول السيسي إن مصر تقيم الآن في قمة النصر..