13 فبراير 2019
أين الشعب الذي أمر السيسي بالترشّح؟
عبد السلام المساتي
خريج الدراسات الإنجليزية وأستاذ للغة الإنجليزية في المغرب. صدر له "مغرب ما بعد الربيع العربي، من ابن كيران إلى كورونا"، ورواية " كاتب ونساء وعبث" و"خواطر الثامنة مساء"، ومجموعة قصصية بعنوان "الهزيمة". دائما ما أقول " الناس، أحدهم يلقي بك لتحترق وسط جحيمه، وآخر يرفعك لتسعد وسط نعيمه، وآخر لا يراك، لا تهمه. لذا كن من تشاء".
"القرار لم يعد قرارك. الشعب اختارك" و"بأمر الشعب، السيسي رئيساً لمصر"، من شعارات كثيرة، حاولت أن تبرر تخلي عبد الفتاح السيسي عن زيه العسكري، وترشحه لانتخابات الرئاسة المصرية، بعدما كان قد أكد، عقب انقلاب 30 يونيو/ حزيران 2013، أنه لا يملك أطماعاً في الوصول إلى سدة الحكم. تسارعت الأيام، وجاء يوم الانتخابات الموعود فغاب الشعب! غاب الشعب الذي حاول أن يوهمنا الإعلام أنه مَن أمر السيسي بالترشح في عشرات آلاف التوكيلات. غاب الشعب، فصُدم هذا الإعلام الذي ظل يطبّل ويزمّر على مدى عام للمشير. غاب الشعب وما كان من لميس الحديدي وإبراهيم عيسى وعمرو أديب، وغيرهم، إلا التوسل له كي ينزل للتصويت.
وفي ظل هذا الغياب الصادم، جنّت السلطة وهي ترى الصناديق شبه فارغة، عند انتهاء اليوم الأول من التصويت، ما دفعها إلى اتخاذ إجراءات طريفة، بهدف تحفيز المواطنين المصريين على النزول: قررت لجنة الانتخابات اعتبار اليوم الثاني من الانتخابات يوم عطلة، مع تمديدها يوماً ثالثاً، بداعي أن الشمس الحارقة حالت دون قدرة المصريين على الذهاب إلى مراكز الاقتراع، وزارة النقل خصصت تذاكر مجانية للراغبين في التنقل للإدلاء بأصواتهم، حزب النور السلفي وفر وسائل نقل مجانية، إغلاق أكبر المتاجر أبوابها في اليومين الأول والثاني، تغريم الذين وجب عليهم التصويت ولم يقوموا بذلك، السماح للمصوتين برسم قلب أو كتابة كلمة "بحبك" في ورقة التصويت.
لم تستطع هذه الإجراءات الترغيبية والترهيبية أن تحدث تغييراً في مستوى نسبة التصويت، وظل معظم الشعب المصري مقتنعاً بأن هذه الانتخابات لا يمكن اعتبارها انتخابات، بل مجرد سيناريو محبوك، ومجرد حلقة أخيرة من مسلسل الانقلاب الذي انطلق يوم 30 يونيو بزعامة المشير السيسي، وهو غياب يمكن أن نقرأه كذلك في النقاط التالية:
ـ الشعب المصري يفهم جيداً أن السيسي زعيم انقلابي، وهو مَن قتل المئات، واعتقل آلافاً من أبناء الوطن صانعي ثورة 25 يناير.. فهذا الشعب، بمختلف تلويناته، وليس فقط أتباع "الإخوان المسلمين"، بل بينهم معارضو الإخوان ومسيحيون، جميعهم يرفضون الواقع الذي حاول السيسي فرضه، ويرفضون الانخراط في هذه اللعبة المبتذلة.
ـ شعبية السيسي صُنعت في استوديوهات مدينة الإنتاج الإعلامي، أي أن السيسي مجرد فوتوشوب. فالزعيم الوسيم أسطورة صنعتها لميس الحديدي وإبراهيم عيسى، وتم ترويجها على نطاق واسع في الفضائيات التي تتأرجح مع الرياح.
ـ السيسي نفسه هو وراء هذا الغياب، بسبب لقاءاته وتصريحاته التلفزيونية الكثيرة التي أحدث بعضها الجدل، خصوصاً عندما قال: لستُ رجلاً سياسياً، أنا عسكري، لا أملك برنامجاً سياسياً... هذا التصريح أحدث الفرق مع الشعب المصري الذي أحسّ أنه سيعود إلى الخلف إذا ما صوّت لرجل عسكري، ما يعني العودة إلى الحكم الفردي! واتضح أن السيسي، الصامت (كان الإعلام يتكلم باسمه)، كان يحظى ببعض التأييد، لكنه عندما تكلم صدم الناس، فالرجل لا يجيد فن الكلام.
ـ غياب الشعب المصري يوم 26 مايو/ أيار 2014، دليل على أن 30 يونيو كانت صورة سينمائية، صنعها المخرج خالد يوسف بكاميراته، فليس من المنطقي أن يخرج أكثر من 30 مليون مصري يوم 30 يونيو ساعات طويلة تحت الشمس الحارقة، ولا يخرج أكثر من 8 ملايين يوم 26 مايو للإدلاء بأصواتهم مدة لا تتجاوز 10 دقائق.
ـ إدراك الشعب أن نتائج الانتخابات محسومة مسبقاً لصالح بطل انقلاب 30 يونيو، فالنفخ الإعلامي للمرشح السيسي لم يمنح حمدين صباحي أدنى فرصة بإمكانية تسيُّد المشهد.
ما يمكن استخلاصه من الانتخابات المصرية 2014، أن أرض الكنانة مقبلة على ثورة ثانية بعد ثورة 25 يناير، والتي إذا كانت قد أسقطت الديكتاتور حسني مبارك الذي ظل 30 عاماً في الحكم، فإن الثورة الثانية ستسقط انقلابياً على الشرعية، وقاتلاً لمئات المصريين الشرفاء. فلا يمكن لهذا الشعب أن يسمح بعودة حكم العسكر والحاكم الفردي المستبد، وواهم مَن يعتقد أن الشخصية الكاريزمية للسيسي ستخيف هذا الشعب الذي خرج بصدور عارية لمواجهة الرصاص في الثورة الأولى.
الأيام بيننا.
وفي ظل هذا الغياب الصادم، جنّت السلطة وهي ترى الصناديق شبه فارغة، عند انتهاء اليوم الأول من التصويت، ما دفعها إلى اتخاذ إجراءات طريفة، بهدف تحفيز المواطنين المصريين على النزول: قررت لجنة الانتخابات اعتبار اليوم الثاني من الانتخابات يوم عطلة، مع تمديدها يوماً ثالثاً، بداعي أن الشمس الحارقة حالت دون قدرة المصريين على الذهاب إلى مراكز الاقتراع، وزارة النقل خصصت تذاكر مجانية للراغبين في التنقل للإدلاء بأصواتهم، حزب النور السلفي وفر وسائل نقل مجانية، إغلاق أكبر المتاجر أبوابها في اليومين الأول والثاني، تغريم الذين وجب عليهم التصويت ولم يقوموا بذلك، السماح للمصوتين برسم قلب أو كتابة كلمة "بحبك" في ورقة التصويت.
لم تستطع هذه الإجراءات الترغيبية والترهيبية أن تحدث تغييراً في مستوى نسبة التصويت، وظل معظم الشعب المصري مقتنعاً بأن هذه الانتخابات لا يمكن اعتبارها انتخابات، بل مجرد سيناريو محبوك، ومجرد حلقة أخيرة من مسلسل الانقلاب الذي انطلق يوم 30 يونيو بزعامة المشير السيسي، وهو غياب يمكن أن نقرأه كذلك في النقاط التالية:
ـ الشعب المصري يفهم جيداً أن السيسي زعيم انقلابي، وهو مَن قتل المئات، واعتقل آلافاً من أبناء الوطن صانعي ثورة 25 يناير.. فهذا الشعب، بمختلف تلويناته، وليس فقط أتباع "الإخوان المسلمين"، بل بينهم معارضو الإخوان ومسيحيون، جميعهم يرفضون الواقع الذي حاول السيسي فرضه، ويرفضون الانخراط في هذه اللعبة المبتذلة.
ـ شعبية السيسي صُنعت في استوديوهات مدينة الإنتاج الإعلامي، أي أن السيسي مجرد فوتوشوب. فالزعيم الوسيم أسطورة صنعتها لميس الحديدي وإبراهيم عيسى، وتم ترويجها على نطاق واسع في الفضائيات التي تتأرجح مع الرياح.
ـ السيسي نفسه هو وراء هذا الغياب، بسبب لقاءاته وتصريحاته التلفزيونية الكثيرة التي أحدث بعضها الجدل، خصوصاً عندما قال: لستُ رجلاً سياسياً، أنا عسكري، لا أملك برنامجاً سياسياً... هذا التصريح أحدث الفرق مع الشعب المصري الذي أحسّ أنه سيعود إلى الخلف إذا ما صوّت لرجل عسكري، ما يعني العودة إلى الحكم الفردي! واتضح أن السيسي، الصامت (كان الإعلام يتكلم باسمه)، كان يحظى ببعض التأييد، لكنه عندما تكلم صدم الناس، فالرجل لا يجيد فن الكلام.
ـ غياب الشعب المصري يوم 26 مايو/ أيار 2014، دليل على أن 30 يونيو كانت صورة سينمائية، صنعها المخرج خالد يوسف بكاميراته، فليس من المنطقي أن يخرج أكثر من 30 مليون مصري يوم 30 يونيو ساعات طويلة تحت الشمس الحارقة، ولا يخرج أكثر من 8 ملايين يوم 26 مايو للإدلاء بأصواتهم مدة لا تتجاوز 10 دقائق.
ـ إدراك الشعب أن نتائج الانتخابات محسومة مسبقاً لصالح بطل انقلاب 30 يونيو، فالنفخ الإعلامي للمرشح السيسي لم يمنح حمدين صباحي أدنى فرصة بإمكانية تسيُّد المشهد.
ما يمكن استخلاصه من الانتخابات المصرية 2014، أن أرض الكنانة مقبلة على ثورة ثانية بعد ثورة 25 يناير، والتي إذا كانت قد أسقطت الديكتاتور حسني مبارك الذي ظل 30 عاماً في الحكم، فإن الثورة الثانية ستسقط انقلابياً على الشرعية، وقاتلاً لمئات المصريين الشرفاء. فلا يمكن لهذا الشعب أن يسمح بعودة حكم العسكر والحاكم الفردي المستبد، وواهم مَن يعتقد أن الشخصية الكاريزمية للسيسي ستخيف هذا الشعب الذي خرج بصدور عارية لمواجهة الرصاص في الثورة الأولى.
الأيام بيننا.
عبد السلام المساتي
خريج الدراسات الإنجليزية وأستاذ للغة الإنجليزية في المغرب. صدر له "مغرب ما بعد الربيع العربي، من ابن كيران إلى كورونا"، ورواية " كاتب ونساء وعبث" و"خواطر الثامنة مساء"، ومجموعة قصصية بعنوان "الهزيمة". دائما ما أقول " الناس، أحدهم يلقي بك لتحترق وسط جحيمه، وآخر يرفعك لتسعد وسط نعيمه، وآخر لا يراك، لا تهمه. لذا كن من تشاء".
عبد السلام المساتي
مقالات أخرى
07 فبراير 2019
03 يوليو 2018
24 مارس 2018