أيمن عبد ربه... "ملك التدوير"

20 أكتوبر 2019
الصورة
تحوَّلت هواية تدوير المخلفات إلى صناعة (العربي الجديد)
+ الخط -
"البيئة أمانة في أعناقنا"، شعار يؤمن به الأسير الفلسطيني المحرر، أيمن عبد ربه، من قرية قوصين غرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، ويطبقه في حياته، إذ يسعى أيمن جاهداً لنشر ثقافة الاهتمام بالبيئة في المجتمع الفلسطيني، من خلال ما يقوم به منذ سنوات طويلة، بتحويل المخلفات إلى ما يعود بالنفع على الآخرين.
عبد ربه لا يلقي العبوات البلاستيكية الفارغة في سلّة المهملات، بل يحوّلها إلى زهور مُلوّنة. مثلاً، إطارات السيارات المستعملة يصنعُ منها مقاعد وطاولات وألعاباً للأطفال. أمّا ما يقع بين يديه من أوراق، فيعمل على عجنها لتستحيلَ خليطاً، يُمكّنه من أن يصنع منها مجسمات.

ومع مرور الوقت، تحوَّلت هواية عبد ربه من مجرّد تدوير المخلفات، إلى صناعة وسائل تعليمية للأطفال وطلبة المدارس. فمنذ طفولته، كانت فكرة تدوير المخلفات تستهويه، لكنّه استغل الفترة الطويلة التي قضاها معتقلاً في سجون الاحتلال الإسرائيلي، التي تربو على 14 عاماً، ليصقلَ موهبته ويطوِّرها بشكل لافت. يقول أيمن لـ"العربي الجديد": "الأسيرُ الفلسطيني محرومٌ كل شيء، لكنّه مبدعٌ في كل شيء، يحوّل المحنة إلى منحة، لذا كنت أستفيد من بقايا ومخلفات كل ما كان يُسمح بوصوله إلينا، واجتهد لتحويله إلى ما يعود بالفائدة على المعتقلين".

وعن تلك الأيام العصيبة التي قضاها في سجون الاحتلال، يتحدَّث عبد ربه قائلاً: "صنعت من الكرتون المقوى براويز (إطارات) لوضع الصور التي كانت تصلنا من عائلاتنا فيها، أو تلك التي كان مسموحاً للأسرى التقاطها مرّة كل عام".
وعمل أيمن وهو معتقل في سجون الاحتلال لسنوات على صناعة مجسم لقبة الصخرة الذهبي من القطع البلاستيكية الصغيرة، ومن أعواد الخشب، ولوَّنه بالأصفر حتى كاد يشبه القبة الحقيقية، وما زال يحتفظ به في وسط بيته، إذْ أخرجه معه بعد الإفراج عنه.

"حتى عُلب السجائر الفارغة لم نكن نرميها"، يشير عبد ربه، "صنعتُ من نوى التمر (المسابح) والقلائد. كل تلك المواد حولناها إلى هدايا، كنّا نرسلها مع الصليب الأحمر الدولي إلى أهلنا في الخارج". وبعد خروج أيمن من سجون الاحتلال، حصل على وظيفة في سلطة "جودة البيئة الفلسطينية"، من خلال برنامج "إعادة تأهيل الأسرى المحررين"، واستطاع من خلالها إيجاد تناغم بين أهداف مؤسسته وشغفه بتدوير المخلفات وإعادة استخدامها، من أجل نشر الوعي في هذا المجال.

"العربي الجديد" زارته في مكتبه في نابلس، فكان عبارة عن واحة مُزيّنة بأعماله، إلى الحد الذي ضاق المكان بها. بينما دفعه حبه لمهنته إلى أن يحوّل منزلاً قديماً يملكه في قريته قوصين، إلى متحفٍ ضمّ فيه كل ما صنعته يداه على مدار كل السنوات الماضية. المميز في قصة أيمن، أنه يركز على تعليم الجيل الناشئ أهمية التدوير في حماية البيئة وتريبه عليه. يقول: "أقضي غالبية وقتي في العمل الميداني مع المدارس والمخيمات الصيفية، حيث نفذت المئات من الورش والدورات التدريبية والتثقيفية للمعلمين والمعلمات والطلبة في مجال إعادة التدوير، وصناعة الأدوات التعليمية التفاعلية والمساعدة".

واستهدف عبد ربه أيضاً ربّات البيوت، إذْ يراهنّ "أهم فئات المجتمع التي قد تُسهم في الحفاظ على البيئة من خلال مسؤوليتهنّ عن ترتيب المنزل، والتخلص من المخلفات فيه، وإعادة تدويرها بالشكل الملائم". ونشر أيمن على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، ما قال "إنه حصادٌ وإنجازاتٌ لخمس سنوات في مجال فن تدوير مخلفات العبوات البلاستيكية". إذْ قدَّم مائة وأربعين دورة مُنوّعة للمدارس والمؤسسات والنوادي الصيفيَّة في مختلف مدن الضفة الغربية، شارك فيها أكثر من أربعة آلاف متدرب، استُهلك في خلالها ثلاثة عشر ألف عبوة بلاستيكية".
يؤمن عبد ربه بأن الحفاظ على البيئة من خلال تعزيز هذه الثقافة بين أفراد المجتمع، بات أمراً لا يقلّ أهمية عن غيره من أساليب صمود الفلسطيني فوق أرضه، ويقول: "على الأقل علينا مواجهة كل ما تتعرض له البيئة الفلسطينية من الاحتلال الإسرائيلي الذي يلوثها، ويحولها مكباً لنفاياته".

دلالات

المساهمون