أيامٌ صعبة بين الرياض ولندن: حملة كوربين وردّ السفير

28 أكتوبر 2015
الصورة
عوامل سياسية وحقوقية تغذي التوتر (فرانس برس)
+ الخط -
لا تمرّ العلاقات السعودية البريطانية هذه الأيام بأفضل حالاتها، ويبدو بأن الأيام المقبلة تُنبئ بالمزيد من التعقيدات بين لندن والرياض، نتيجة لتداخل عوامل مختلفة سياسياً وحقوقياً. وفي إشارة إلى توتر العلاقات بين لندن والرياض، فقد ألغت الحكومة البريطانية الشهر الحالي عقداً استشارياً للتعاون في مجال السجون مع السعودية، بموازاة الحكم في الرياض على البريطاني أندريه كارل (74 عاماً) بـ"السجن والجلد بسبب تصنيعه الخمر في المملكة". كما يتزامن إلغاء العقد مع محاولة بريطانيا ثني السعودية عن إعدام الشاب علي النمر (21 عاماً)، كما تدخلت سابقاً لإيقاف جلد الناشط رائف بدوي. ويأتي كل هذا في ظلّ تطوّر العلاقات بين البلدين إلى علاقات سياسية وأمنية واسعة، فضلاً عن تأسيس مشاريع اقتصادية كبرى وفّرت آلاف الوظائف للبريطانيين.

كما أن المشاريع العسكرية في السعودية، تتربّع على رأس قائمة الحكومات البريطانية المتعاقبة منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما عقدت حكومة مارغريت تاتشر، صفقة "اليمامة" مع الحكومة السعودية، والتي اعتُبرت من أضخم صفقات بيع السلاح عالمياً في وقتها. ويُمكن تلخيص الإشكال في العلاقات السعودية البريطانية حالياً بالمعضلة التي تعيشها الدول الغربية تجاه الدول الحليفة لها، المُصنّفة "غير ديمقراطية"، من طرف منظمات حقوق الإنسان الدولية، والصحف، والمعارضة السياسية. أما الدول المُتَّهَمَة فتعتبر أن "الغرب، كبريطانيا مثلاً، يحاول فرض رؤيته وقيمه، التي لا تتناسب مع المجتمعات الأخرى".

وترى أن "الرؤية الديمقراطية، ومعايير حقوق الإنسان، منحازة وتتعارض مع الخصوصية الثقافية للمجتمعات في الدول غير الغربية". تصعيد السفير هذه الأزمات جعلت سفير السعودية في بريطانيا، الأمير محمد بن نواف، ينشر مقالاً في صحيفة "ديلي تليغراف" البريطانية، يوم الأحد، يشير فيه إلى أن "التغيير في النقاش حول السعودية في بريطانيا، يُنذر بالخطر، ممّا اضطرني لمناقشة الانتقادات الأخيرة الموجّهة إلى المملكة". ويرى السفير السعودي أن "الذين يثيرون الانتقادات تجاه السعودية، لا يأخذون بعين الاعتبار أهمية السعودية بالنسبة لبريطانيا، ولأمن الشرق الأوسط، ودورها الحيوي في العالم العربي كمركز للإسلام".

اقرأ أيضاً: "تويتر" متهماً بدعم الإرهاب في السعودية

ويلفت في مقاله إلى ما وصفه بـ"تحيّز الإعلام البريطاني في تناول القضايا المتعلقة بالسعودية". ويُورد أمثلة، كـ"الادّعاء بأن موكباً للأمير محمد بن سلمان تسبّب بحادثة منى"، و"الادّعاء بأن السعودية لم تستقبل أي لاجئ سوري"، ويؤكد بأن "كل هذه المزاعم عارية عن الصحة". ويقول محمد بن نواف، إنه "يجب تنبيه هؤلاء الذين لا يريدون أن يروا تداعيات جدّية، يُمكن أن تؤثر سلباً في العلاقة الوثيقة والمربحة بين البلدين". ورقة الاستثمارات لم يتحدث السفير السعودي في مقاله بالتفصيل حول القضايا الشائكة المُثارة في الإعلام البريطاني ضد السعودية، لكنه انتقد بشكل مباشر جيريمي كوربين، زعيم حزب "العمال" المعارض للحكومة البريطانية. ويصف تصرّف كوربين من أجل إلغاء العقد الاستشاري لإصلاح السجون السعودية بـ"الخرق لعلاقة الاحترام المتبادل بين البلدين".

ويُشدّد السفير السعودي في مقاله على أمرين: الأول يتعلق بـ"أهمية السعودية بالنسبة لبريطانيا في جوانب مكافحة الإرهاب، تحديداً التعاون الاستخباراتي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة"، وفقاً له. أما الأمر الثاني، فيتعلق بـ"أهمية الاستثمارات السعودية التجارية في بريطانيا". ويقول محمد بن نواف في السياق، إنه "بفضل العقود التجارية بين السعودية وبريطانيا، والتي تُقدّر بملايين الجنيهات، تتوفر سبل العيش لما يزيد على 50 ألف أسرة بريطانية. ويمكن تقدير الاستثمارات السعودية في بريطانيا بنحو 90 مليار جنيه إسترليني (نحو 139 مليار دولار)".

وشدد السفير السعودي على رفض المملكة للتدخلات الغربية في الشأن الداخلي السعودي، وقال "السعودية دولة ذات سيادة. والمملكة تُحكم من قبل قادتها، الذين بدورهم يتبعون الإسلام فقط. ديننا الإسلام، ودستورنا هو القرآن الكريم. ونظامنا القضائي قائم على الشريعة، ويُنفّذ من قبل سلطة قضائية مستقلة. وكل ما نسعى إليه يتمحور في إطار: أنه كما نحترم التقاليد والعادات والقوانين والدين في بريطانيا، فإننا نتوقع من بريطانيا أن تمنحنا الاحترام ذاته". عقد إصلاح السجون ويرى مراقبون بأن الحملة التي قادها كوربين ضد السعودية تُعدّ من أهم أسباب الأزمة الحالية، والتي أدت في نهاية المطاف إلى إلغاء العقد الاستشاري البريطاني لإصلاح السجون في الرياض. وكان كوربين قد أكد في حملته ضد هذا العقد، "أهمية الضغط على السعودية لإيقاف حكم الإعدام ضد الشاب علي النمر"، بحسب رسالة وجّهها شخصياً لكاميرون. واللافت في الأمر، أن وزير العدل البريطاني، مايكل غوف، لم يعلن عن أسباب إلغاء العقد مع السعودية، مما يعزز الاتجاه القائل بأن الإلغاء جاء نتيجة لضغوط المعارضة البريطانية.

ويبدو بأن كوربين عازم على الذهاب بعيدا في انتقاد السعودية، ربما أكثر من أي زعيم بريطاني آخر اليوم. حتى أنه افتتح برنامجه الأسبوعي على موقع "يوتيوب"، في منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي، بالحديث عن موضوع جلد كارل وإعدام النمر، وتأكيده على "أهمية خطوة إلغاء عقد وزارة العدل البريطانية مع السعودية. وأن هذا النهج يجب أن تعتمده الحكومية البريطانية في علاقاتها الدولية: أي إعطاء أولوية لقضايا حقوق الإنسان". وكان وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، قد أعلن لمجلس العموم البريطاني قبل أيام، بأن "السعودية لن تُعدم النمر، ولن تجلد كارل". ودائماً ما تتم مطالبة وزير الخارجية البريطاني، بالتعليق على هذه الأحكام السعودية بشكل علني، وجاء تعليق هاموند لمجلس العموم بقوله: "نحن نتحدث بشكل خاص ومستمر مع محاورينا السعوديين، ومن خلال هذه الحوارات نصوغ مواقفنا".

اقرأ أيضاً: بريطانيا تعيد فتح "تقرير الإخوان"... وتمنح اللجوء لقيادِيَّيْن بالتنظيم

المساهمون