أوليفيا إلياس: صرخة الألم الصامتة

24 نوفمبر 2019
الصورة
(أوليفيا إلياس)
+ الخط -

لماذا تأتيني أوليفيا إلياس مقترنةً بشعراء حزام الزيتون؛ شعراء اليونان وجنوب إيطاليا وإسبانيا. هذه الشاعرة القادمة من حيفا والتي يحتشد شعرها بمشاهد فلسطين ببياراتها وشموسها المتوسطية ودماء أهلها التي تسيل على أرصفتها منذ عقود. فلسطين جرحُها، وشعرُها صيحة ألم صامتة عميقة، تراجيدية بلا خطابة ولا شعارات إيديولوجية.

كلماتها مفعمة بضوء المتوسِّط بأقماره وجزره وشموسه المشتعلة من بيارات فلسطين إلى حقول الزيتون في الأندلس: حقول لوركا في الطرف الآخر من هذا البحر القديم كما يسمّيه سان جون بيرس.

قصائدها بسيطة عميقة في بساطتها فيها شيء من السريالية، بيد أنها تحافظ على ذاك الخيط الذي يشدّها للعالم، ويشدّ القارئ إليها فلا يتيه عنها... من ذلك مرثيتها لأطفال فلسطين التي ترتقي مراتب عالية لا تقل شأوا عن مرثية لوركا لأغناثيو، بيد أنها مستوحاة من التراجيديا الفلسطينية:

أمام ركن المقبرة المخصّص
لأطفال فلسطين،
أطفال غزّة والقدس والخليل
ودير ياسين وجنين واليرموك وصبرا وشاتيلا

ثمة فقط
طائرات ورقية
وبالونات بيضاء

أترجى الرمل أن يكون لهم جميعاً
دثاراً دافئاً وناعماً
وأطلب من القمر المزرق
بنجومه التي لا تُعد أن يسهر عليهم
ومن الشمس أن تسوي لمجدهم
زينة خرافية
من أنوار برتقالية وبنفسجية
ومن الرياح أن تنشر أسماءهم
في كل القارات".

هكذا هي أبجديتها الشعرية تمسّ العمق عبر بساطتها فهي لا تترك القارئ حيادياً.

ولكن من هي أوليفيا إلياس التي ظلّت تكتب في عزلتها ثم ظهرت فجأة بثلاثة دواوين؟

تعرّف نفسها ببساطة: "وُلدت في حيفا بفلسطين، التجأت مع عائلتي إلى لبنان، عشت في كندا حيث أكملت دراستي الجامعية ودرّست العلوم الاقتصادية إلى أواخر 1980، بعدها أقمت نهائيا في فرنسا سوى الفترة الواقعة ما بين سنتي 2005 و2009 حيث عشت وعملت في لبنان ومصر.

كنت أكتب دائماً، ولكني لم أقرّر النشر إلا أخيراً. الآن، أنا بصدد وضع اللمسات النهائية لديواني الجديد "قصائد نارية".

تكتب أوليفيا بالفرنسية وقد صدرت لها خمس مجموعات شعرية هي على التوالي:
"فوضى شاملة وعبور"، هو آخر دواوينها صدر في إبريل 2019 عن دار ورقة الشاي، باريس، "اسمكِ فلسطين" صدر عن دار المنار، باريس 2017، "الأمل كوقاية وحيدة" وصدر عام 2015 في باريس عن دار آلفابار وكتب مقدمتها فيليب تانسولان، "أنا من ذاك الشريط الرملي" 2013، كما صدرت لها عن منشورات بيت الشعر ببارونيسي (منطقة نابولي) مختارات من عشرين قصيدة نقلها إلى الإيطالية الكاتب والشاعر الإيطالي جيان كارلو كافالو. هنا ترجمتنا لواحدة من قصائدها الأخيرة.


علامة فارقة

أوليفيا إلياس


1.

أجسام نساء تحت أردية سوداء
شعوب تحت أردية سوداء

ثقوب للإبصار

على مرأى ومسمع من الجميع
يسقط الشباب
مسلوخين.


2.

في هذا الصيف
تحوّلنا خبراء في صناعة العكازات
في كلّ مكانٍ رجال
ينطّون مثل طيور البلشون

بعكازات، هل أقدر على عبور البحر
وإن هاجت مياهه ألتجئ إلى سفينة نوح
وأشيد فناراً ليضيء الأفق
أو أهجم على برج بابل
أو أحفر نفقاً وأطلع فجأة فوق جبل الزيتون
أو في باحة المساجد
ليلة قمر معتم

وهناك سوف ينتظرني حصان منيع
يأخذني بعيداً بعيداً.


3.

سنمتطي خيولنا البيضاء
ونلعب لعبة البولو مع النجوم
للفائز القمر.


4.

في أزمنة وتحت سماوات أخرى
لأجل اختلاس بسيط، كسرة خبز مثلاً
تُقطع الأذن في ثانية

يا فرنسوا فيللون كانت والدتك البائسة
الشال معقود تحت ذقنها تماماً
تسير في فصل الكرز الأحمر

واليوم في حارة اليهود المتوسطية
يتقافز الرجال كالبلشون
في كل مكان

وأنا لم آخذ شيئاً لأيّ إنسان ولا أُطالب
سوى ببيتي وزيتونتي وحقلي

في أسفل الظهر ثمة وشم
علامة فارقة
صورة عكازات
لأولئك الذين حكم عليهم بفقد أجسادهم وحياتهم
بموجب الحق المطلق للغزو.


5.

ولكنّي وأنا طفلة أحببت الشرائط الملوّنة
وأردية الأميرات
التي تنام اليوم
في حقيبة الأحلام

ومن قصص طفولتي كانت الغيلان
وحدها هي التي عادت
أما الجنّيات فقد ظلّت بعيدة
منشغلة بالسهر على مهود أخرى.


6.

ضخم الفطر الذريّ
في سماء المتوسّط.

المساهمون