أولادي وأنا ننتظرُ أمهم

30 يوليو 2015
الصورة
أريد طفلا واحداً لأربي به الحياة (Getty)
+ الخط -
سننجبُ أطفالا أنا وحبيبتي، يتجمعُ حولهم الغرباء ويخطفون رائحتهم قبل أنْ يغادروا مُرغمين لالتزامهم بأجندة أعمالهم، وفي المترو ستبكي فتاة تمسح كحلها بِكُمِّ قميصها ثم تبتسم لأنّ ركلةً هزّتْ مشاعر رحمها.


الأطفالُ يبكون لأنهم لا يعرفون كيف يقولون كلمة "أحبك"، ولذلك عندما يبكي أطفالنا سنصغي كأننا نسمع لحنا جديدا أو لغة جديدة لنتعلم ونحفظ، أما الغرباء فسيتشاغلون باللوحات المترامية على الجدران وصور العائلة.

سننجبُ أطفالا يتكلمون لغات العالم كله لأنّ خالتنا "الحياة" ضعيفة البصر. قد لا تنتبه إلى أحلامهم وقد لا تُراعي حُمرة الورد في خدودهم، لذا سيتحايلون عليها بكلام الغزل الفرنسي ودبلوماسية الخطاب الإنكليزي وشقاوة الجمل التركية المفككة.

خالتنا "الحياة" مثقفة جدا لذلك لا تنتبه إلا للأطفال، الذين يرتقون لمستوى تفكيرها ودهائها ولربما سيتحايلون على الموت أيضا فيترك أطفالنا ويأخذنا عوضا عنهم، ويدفنونا تحت شاهدة تقول: "يرقد هنا من علمنا لغة الحياة لنتغلبَ على صمت الموت". 
شهادتنا مجروحة بالموت على كل حال، اسألوا أحدا غيرنا.

نريد أن نُربي الأطفال وننشغل بوجع آذانهم الوسطى الحساسة وأسنانهم اللبنية ومساطرهم الزهرية أم بوصلة أو أم أربعٍ وأربعين سنا صغيرة لسطور الزينة. نريد أن يكون هدفنا في الحياة مدرسة جيدة وعلامات عالية والتفوق على أولاد الجيران والاقارب وفي النهاية التفوق على أنفسنا حتى.

نريدُ، حبيبتي وأنا، أنْ نشد آذانهم ونعلمهم الأدب والالتزام بالوعود والصدق لكي لا يدخلوا النار ويجعلوا - بقصدٍ أو بغير قصدٍ- التراب الذي تحتَ أقدام أمهم، أقصد حبيبتي، بائراً.

نريدُ أن نعرف كيف نخرُج من المتاهة هذه بانتصار واحد، نحن الذين أحسنّا الظن بالعالم و لكن العالم لم يقدر ذلك فحفر لنا حفرة اسمها الحرب وأخذ يلوِّحُ بنا وهو يمسكُ بأذن سذاجتنا.
إذا كانت الإبادة تبدأ بقتل إنسانٍ واحد بغير حق، فإن البشرية كلها تبدأ بطفل وحبيبته في مدرسة جيدة وأصدقاء حقيقيين لا يقضون وقتهم على الفيسبوك والنقش البناء الافتراضي المحكوم عليه بالبقاء نقشا لا يُقرأ ولا يُغيّر.

أريد طفلا واحداً لأربي به الحياة في نفس الوقت الذي أقضي فيه حياتي وأنا أربيه.
كل هذه الأشياء الرائعة وأكثر أُسطِرُها في أجندتي وفي النهاية، تحتَ سطرِ الزينة ذي الأربع والأربعين سنّاً الذي أرسمه بمسطرة زهرية آخر الصفحة أكتب:
عليَّ أنْ أجد أمَّهم أوّلاً.

(سورية)

المساهمون