أوكسفورد مقام: موسيقى ما قبل الزمن الجميل

02 فبراير 2017
الصورة
أصدرت الفرقة ألبوم "تسجيلات أسطوانة الشمع" (العربي الجديد)
+ الخط -
كلّما جرى الحديث عن موسيقى الفن القديم، خطر على البال تلقائيّاً، الزمن الجميل ومطربوه مثل، عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز وصباح ووديع الصافي وغيرهم. ربّما في هذا اختصار ومحو للتاريخ الموسيقي الشرقي أو العربي بأكمله، بالعودة به إلى ما يقل عن مائة عام فقط، وتجاهل، عن قصد أو عن غير قصد، كل المقامات الموسيقية التي سبقته.

قد يكون ذلك أحد الأسباب الرئيسية لنشوء أو تأسيس فرقة "أوكسفورد مقام" التي ستعود بنا إلى عصر النهضة، تلك الفترة الاستثنائية من الإبداع والابتكار الموسيقي في منطقة الشرق الأوسط.

حظيت "أوكسفورد مقام" بشعبية مميّزة، كونها أعادت إحياء الأغاني المصرية والشامية التي تعود إلى القرن التاسع عشر وأوائل أيّام السينما. لم تقتصر أغانيها على تلك التي كانت تطرب القصور، بل شملت أيضاً أغاني المقاهي المحلية التي كانت سائدة آنذاك.

بدأت الفرقة في عام 2009، وتخصّصت في تقديم موسيقى كلاسيكية بطريقة معاصرة، استطاعت من خلالها أن تجذب الجمهور الغربي للموسيقى الشرقية. وتتميّز "أوكسفورد مقام" بأعضائها الذين يتحدّرون من خلفيات ثقافية متنوّعة، ذات اطلاع واسع على الثقافة الإنجليزية والغربية بشكل عام.

لذلك قابل "العربي الجديد"، بعضا من أعضاء هذه الفرقة للتعرّف عن كثب على تطلعاتهم واهتماماتهم. وفي هذا الصدد، يقول، طارق بشير، الذي يتميّز بصوته الطربي النادر، إنّ اسم الفرقة جاء من كونهم التقوا في مدينة أوكسفورد حيث ولدت فكرة إنشاء "أوكسفورد مقام". ويتابع ليؤكّد أنّ الموسيقى القديمة برأيه أفضل بكثير من الحالية، وذلك لأنّها تتمتّع بالعمق في التفكير الموسيقي، ولأنّ أسلوب العزف القديم اعتمد على التوحّد الفكري بين الموسيقيين، وليس التوحُّد الآلي المعروف اليوم. أي أنّ المطرب كان يعزف الموسيقى ذاتها لكن بإحساس مختلف، وهذا النوع من الموسيقى كان موجوداً في منطقة الشرق الأوسط ولدى العرب ما أدّى إلى خلق نوع من الحيوية. ولا يتوانى بشير عن تشبيه موسيقى اليوم بالبيتزا الجاهزة، أمّا موسيقى الزمن القديم بعجينة البيتزا التي من الممكن أن نضيف عليها ما يلزم.

يلفت بشير إلى أنّ حقوق النشر كانت غائبة في ما مضى، ولم يكن هناك تسجيل للأغاني، فكان المطربون يتسارعون لغناء أغنية اشتهرت، على أن يؤديها كل منهم بأسلوبه، مع إضفاء لمسته على اللحن. كان هناك نوع من التلاقي بين الكاتب والملحن والمطرب.

أمّا حين ازدهر التسجيل على أسطوانات الشمع في الثلاثينيات، بدأت الألحان تتحوّل إلى موسيقى جاهزة يستحيل التلاعب بها أو الإضافة عليها، ولم تظهر أسطوانات الشمع في مصر قبل عام 1895.

ويؤكّد بشير، أنّ ألبوم الفرقة عُرف باسم " تسجيلات أسطوانة الشمع"، لأنّهم بالفعل سجّلوه على هذه الأسطوانات في مدينة شيفيلد شمال بريطانيا، وهي أقدم وأوّل طريقة تسجيل عرفتها البشرية، حين تمكّن توماس إديسون من ابتكارها. ويردف بشير أنّ إديسون حاول الترويج لاختراعه وبيعه إلى الأثرياء، وكذلك وصل أناس من شركته إلى القاهرة والإسكندرية في مصر، وسجّلوا أصوات المطربين الجميلة آنذلك أمثال عبد الحمولي وعبد الحي حلمي ونظيرة الفرنساوية وأسمى الكمثرية، بغية الترويج لآلته.
كذلك يوضح بشير صعوبة أو استحالة النسخ عن أسطوانة الشمع، أي أنّه كان ينبغي على المطرب إعادة غناء الأغنية في كل مرّة أراد أن يسجّلها على الأسطوانة.
وعن أسباب تسجيل موسيقاهم على أسطوانات شمع، يقول بشير إنّ الفرقة أرادت الابتعاد عن الطريقة التقليدية وتسجيل أغاني القرن التاسع عشر كما كانت تسجّل في ذلك الزمن، مع العلم أنّ مدّة التسجيل عليها لا تتجاوز الدقيقتين وعشرين ثانية، أي أنّهم سجّلوا أغنيتين فقط على 16 أسطوانة.
وهذا بذاته كان بمثابة تحدّ للفرقة التي أرُغِمَت على اختيار نوعٍ معيّنٍ من الأغاني القديمة الأقصر من غيرها، كي يسهل تسجيلها على أسطوانات الشمع.
أمّا مارتن ستوكس، أحد أعضاء الفرقة الأجانب المهتمين بالموسيقى الشرقية، ويدرس حالياً الإثنو ميوزيكولوجي في جامعة كينغز في لندن، فيقول لـ "العربي الجديد"، إنّ أوّل ما جذبه إلى الموسيقى العربية والتركية هو المقامات التي كانت أكثر عاطفة وجموحا. ويكمل بأنّه كان هناك قدر معين من القوالب النمطية، لكنّه أراد أن يكتشف تلك الصور النمطية كجزء من بحثه الذي يسمى "أرابسك التركي".

حين عاد ستوكس إلى بريطانيا من القاهرة، تشكّلت "أوكسفورد مقام" وتحوّلت ببطء ولكن بثبات إلى موسيقى عصر النهضة. كان تواجده في الفرقة خطوة واضحة واستكشافية للتواصل مع الموسيقى العربية بطريقة مختلفة خصوصاً مع أعضائها الموهوبين، ومنهم أحمد وطارق ويارا. كذلك أثار اهتمامه اعتماد التسجيلات القديمة كمصادر.

ويرى ستوكس، أنّ التفكير في القاهرة كجزء من الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر، يثير اهتمامه أيضاً، لأنّ العالمين كانا متواصلين، على الأقل في الأدوات الموسيقية.
بدورها، توضح، يارا، وهي مطربة متخصصة في العديد من أنواع الغناء العربي، ومنها الطقطوقة المصرية، سبب اهتمامها بهذا النوع من الموسيقى، لـ "العربي الجديد"، وتقول إنّها تسمى اليوم بالغنوة، لكنّها تاريخياً كانت تغنّى في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء، وكذلك في حفلات الزفاف وغيرها من المناسبات. والطابع الغالب على مضمون تلك الأغاني هي مواضيع الحب والزواج والحياة الأسرية يتخلّلها أسلوب النكتة في بعض الأحيان. فضلاً عن أنّ كلمات هذا النوع من الأغاني كانت تعكس في بعض الأوقات المخاوف المجتمعية على نطاق اوسع من ذلك، مثل تطلعات الطبقة الوسطى للحاق بالتوجهات الأوروبية.




المساهمون