أوقات عصيبة في مصر

02 أكتوبر 2019
الصورة
(1) 
كانت الأسابيع الماضية عصيبة في مصر. حالة من الترقب والآمال الكبرى، ثم حالة من الهلع والخوف من الانتقام والتنكيل بعد ذلك الكمّ الكبير من الاعتقالات. بدأت الموجة بفيديوهات وأحاديث مصورة للمقاول والفنان محمد علي، الذي خرج ليسرد تفاصيل كثيرة عن صفقاتٍ وتعاملاتٍ لا يعلم كثيرون عنها، ولكنه قال هذا بأسلوب شعبي وشعبوي، فحقق انتشارا كبيرا في الأوساط الشعبية، وأصبح الناس يتداولون فيديوهاته وأحاديثه سرا وعلانية، وغطى حديثه على أحاديث أخرى كثيرة، وأحدث هزة كبيرة في المجتمع، وأصبحت سيرة محمد علي، سلبا أو إيجابا، هي السائدة في مصر عدة أسابيع.
فجأة، دعا المصريين إلى الخروج والتظاهر من أجل إسقاط النظام والقيام بثورة جديدة، زاعما أن قطاعات وأجنحة عديدة داخل الدولة تدعمه، وستقف حينها مع الشعب، فحدثت حالة من البلبلة والجدال في أوساط النشطاء والفاعلين القدامى، فرحب كثيرون محسوبون على جماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي، وبدأت لجانهم في الحشد على الإنترنت، وتحفظ كثيرون من نشطاء التيار المدني والرموز الشبابية لثورة يناير على الدعوة الغامضة، فيما تحمّس آخرون من التيار نفسه، خصوصا نشطاء المنفى، وكذلك الشباب صغير السن في مصر أو الحديث العهد بالممارسة السياسية، فالكل يرغب في الخلاص، وخروج من تم حبسهم، وكذلك عودة من خرج من مصر إلى أهله مرة أخرى.
لم أتحمّس لدعوات محمد علي إلى النزول، ولم أصدّق تحليلات انتشرت على الفضاء الإلكتروني، أن محمد علي "مسنود" من داخل النظام، لم أصدّق الادّعاء بأن هناك صراعا ما بين بعض
أجنحة السلطة، كما أنه لو صح هذا الكلام لكانت مشكلة أكبر من وجهة نظري، فلو أن هناك جهة ما من داخل نظام الحكم تريد إطاحة عبد الفتاح السيسي فذلك ليس له علاقة بمطالب وأحلام الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد، ولذلك من السذاجة أن يهلل بعضهم لفرضية الانقلاب الوشيك بدون دلائل ومؤشرات.
أعلنت رأيي صراحة وصرحت بأنني لا أثق في المقاول محمد علي، على الرغم من التأثير الكبير لفيديوهاته، وأنني متحفّظ وقلق من الحشد الكبير الذي تقوم به اللجان الإلكترونية والقنوات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، للإيحاء مرة أخرى بأن الثورة غدا وأن الانقلاب يترنح. وكما كان متوقعا ومعهودا تلقيت سيلا من الانتقادات من رفاق وزملاء كثيرين، بالإضافة إلى سيل من السخرية والبذاءات وشماتة ووعيد من لجان إلكترونية محسوبة على "الإخوان" والتيار الإسلامي.
انتقدت منهج "انزل وبعدين نشوف" الذي طبقناه كثيرا بعد ثورة يناير، وورّطنا في كوارث كثيرة. كانت هناك دعوات كثيرة إلى الاحتجاج بدون هدف، خلال عامي 2012 و2013. أريقت دماء كثيرة بسبب دعوات غير مفهومة إلى التظاهر، الأدرينالين الثوري، افتعال العنف بعد انتهاء التظاهرة بسلام والحشد للنزول من أجل الكرامة، ما أدى إلى موت وإصابة المزيد والمزيد. أحداث كثيرة، مثل تظاهرات العباسية التي دعا إليها أنصار الداعية الإسلامي حازم أبو إسماعيل، عام 2012، بالإضافة إلى اشتباكات ذكرى شارع محمد محمود في 2012 و2013، حتى أن معظم ما حدث في 30 يونيو/ حزيران 2013 كان تحت شعار "انزل وبعدين نشوف".
يراهن بعضهم على تكرار ما حدث في 25 يناير 2011، عندما خرج الناس بشكل مفاجئ وبأعداد مهولة. ويأمل آخرون في تكرار سيناريو 3 يوليو/ تموز 2013 عندما تدخل الجيش لعزل رئيس الجمهورية وقتها. ولكن في الأولى كان هناك هامش بسيط من الحرية، خصوصا بعد "11 سبتمبر" والضغوط على الشرق الأوسط، بالإضافة إلى قيام الثورة التونسية التي حمّست آلاف الشباب، وأعطت دفعة كبيرة، وكانت تجربة عملية في الجوار القريب. والثانية كانت هناك مؤسسة خططت بتأنٍ وصبر لاستغلال غضب قطاعاتٍ واسعةٍ من أخطاء حكم جماعة الإخوان المسلمين... الوضع الحالي أكثر تعقيدا من 2011 و2013، الوضع الدولي في صالح السلطة في مصر، بعد نمو الجماعات المسلحة، "داعش" وغيرها، بالإضافة إلى موجات المهاجرين من الوطن العربي التي تسببت في صعود اليمين في الغرب بخطابه المعادي للعرب والمسلمين والمهاجرين، والداعم للحكام الذين يحققون استقرارا يقلل من موجات الهجرة ولو على حساب قيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. والأصعب من ذلك فعلا تخبط جميع التيارات السياسية في مصر، فجماعة الإخوان المسلمين تفككت بشكل كبير، وأصبحت تحرّكاتها عشوائية، كما أن المجموعات الأخرى ذات الخلفيات اليسارية أو الليبرالية التي على خلاف كبير أو عداء قديم مع "الإخوان" تعاني، هي الأخرى، من التفكك والتخبط، بالإضافة إلى التضييق والاعتقالات.
(2 )
بدأ صديقي وائل غنيم، هو الآخر، في الإدلاء بدلوه. خرج بخطاب جديد بشكل صادم للجميع، وإن لم يكن صادما للأصدقاء القدامى والمقرّبين منه. أثار جدلا كبيرا بعد حلاقته شعر رأسه 
والحاجبين أمام عشرات آلاف المشاهدين، وتدخينه الماريغوانا علانية، وألفاظه الجريئة. قوبل بالصدمة عند بعضهم، والاستهجان عند آخرين، وسادت حالة من الذهول في الأوساط الثورية. قال بعضهم إنه جن، وجزم آخرون بأنه مريض نفسي، إلى جانب سيل الهجوم من اللجان الإلكترونية المحسوبة على جماعة الإخوان، والتي زعمت أنه يقوم بالتشويش على محمد علي والثورة القادمة. استغلت أجهزة الإعلام الموالية للسلطة مظهره الجديد، من أجل تسديد اللكمات، فقال الإعلام انظروا إلى ذلك المدمن، إنه أحد أكبر رموز ثورة يناير، إنهم جميعا كذلك، ويريدون أن يجعلوا مصر كلها هكذا.
لدى وائل وجهة نظر يدافع عنها بهذا الأسلوب. يرى أنه عند تعرية نفسه بنفسه يفضح أخطاءه بنفسه، يدخن الماريغوانا والحشيش علانية، بدلا من إخفاء ذلك كما يفعل معظم من يدخنون الحشيش في مصر، وهم نسبة كبيرة من المجتمع، فإذا كان تدخين الحشيش في مصر يتم سرا، فهو في الولايات المتحدة ودول كثيرة، أصبح مقنّنا ومسموحا به. يحاول وائل كشف كل ما فعله في السابق ويندم عليه، فذلك سيساعده في حُلة التطهر والاعتراف، ليستطيع أن يتحرّر من الماضي، ويفكر بشكل سليم. قال عبارات وأطروحات هاجمه بسببها كثيرون من شباب ثورة يناير. يحاول تشجيع فكرة الحوار مع السلطة ومع الأجهزة الأمنية، بهدف وقف النزيف وإهدار الطاقات. وائل غنيم إصلاحي، يحاول الدفع في اتجاه أن الجميع يخطئ، والجميع ارتكب كوارث. ولا يزال عنده أمل في أن يتم الوصول إلى مصالحة واتفاق جديد للتعايش بين جميع مكونات المجتمع، أنصار حسني مبارك وأنصار الثورة وأنصار السيسي وأنصار الإخوان والتيار الإسلامي، المؤيدون والمعارضون والخصوم شركاء في الوطن. على الرغم من ذلك، تم الرد على أطروحاته بالرد المعتاد، حبست قوات الأمن أخاه الذي لا علاقة له بالنشاط السياسي، ثم تم حبس المحامي محمد الباقر الذي كان يقوم بالدفاع عن حازم غنيم، شقيق وائل، في أثناء حضوره تحقيقات النيابة مع الصديق العزيز علاء عبد الفتاح الذي تم حبسه أخيرا بدون سبب مفهوم.
تعليق: