أوطانٌ كصخرةٍ على منحدر

03 يوليو 2020
الصورة

لا يجادل منصفٌ في أن "الاستقرار" ثروة سياسية لا تستغني عنها أمة، بالغةً ما بلغت ثرواتها من الموارد الطبيعية. وعلى سبيل المثال، بدأت أوروبا، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بقليل، بناء استقرار سياسي، على الرغم من كل ما شهده القرن العشرون من عنف أوروبي/ أوروبي في حربين عالميتين لا نظير لهما في التاريخ. في المقابل، ظلت المنطقة العربية عشرات السنين مخدّرة بوهم "استقرار سياسي" لا نصيب لواقعه من اسمه، فلا قدرة السلطة (أي سلطة) على الاستمرار، ولا علاقات التبعية شبه التامة للقوى الكبرى، كانت كفيلةً بجعل الاسم ومعناه متطابقين، بل كان "الاستقرار" دائمًا، قشرةً تخفي تحتها حقيقة أن المنطقة كلها "صخرة على منحدر"، فلا توافق عاما، وطنيا أو إقليميا، على شيء من ثوابت الاجتماع السياسي له قيمة، ولا ترتيبات إقليمية تتصف بشيءٍ من الكفاءة، ولا اقتصادات وطنية لها أي نصيب من الاستدامة، ولا ... ... بل ممارسات عدوانية تبلغ الغاية في الصرامة ضد كل من يمكن أن يشكل خطراً (حتى لو كان متوهمًا) على السلطة، وكل شيء تقريبًا في شؤون الداخل والخارج، يتم بـ"القطعة"، حتى استنفدت البنية كل أسباب استمرارها، ولم يعد أحد قادرًا على إنكار الحقيقة المؤلمة: "أوطاننا صخرة على منحدر".

ظلت المنطقة العربية عشرات السنين مخدّرة بوهم "استقرار سياسي" لا نصيب لواقعه من اسمه

ومن المفارقات أن الأوزان النسبية للمتصارعين في أزمةٍ كالأزمة الليبية تؤكّد أن روسيا وفرنسا (مثلاً) تسبقان في القدرة على الأرض كل الأطراف العربية، على الرغم من أن الأطراف العربية هي من يسدد الفواتير المالية. وأمام قائمة بؤسٍ طويلةٍ، النار المشتعلة في اليمن، وحقل الألغام الليبي، والاستقرار الهش في لبنان وسورية والسودان والعراق، أصبح حوضنا الجغرافي على منحدرٍ ليس بيننا وبين السقوط عنه إلا توازنات مصالح جميع خيوطها خارج العالم العربي. فعوامل مثل: الدور التركي، والتنازع الإيطالي الفرنسي حول ليبيا، والقلق الأميركي/ الأطلسي من الوجود الروسي في ليبيا ومآلاته المحتملة مستقبليًا، جميعها لعبت الدور الأكبر في منع صخرتنا من الانحدار، ولو إلى حين.

وفي "الليلة الظلماء" يُفتقَد أصحاب المصلحة الحقيقيون، ويعجز العرب عن قطع خطوةٍ عربيةٍ واحدةٍ إلى الأمام في طريق "استقرار" حقيقي: متوازن، مستدام، قائم على مشروعية "قيم" و"إجراءات"، وعلى رؤيةٍ ناضجةٍ للمصالح وتراتبيتها. وبالمقارنة بتجربة بناء الاستقرار في التجربة الأوروبية، كان مشروعًا إقليميًا متعدّد الأطراف، متعدّد القوميات، متعدّد الثقافات، ولم يخل طبعًا من تباينات وثارات تاريخية وخلافات في الرؤى المستقبلية، لكنه كان توجهاً واعياً نحو بناء استقرار حقيقي، وكانت الأفعال متسقة مع الاستهداف من دون كذب أو ادعاء.

لا يوجد أيّ تصوّر للمستقبل يفضي إلى الإجابة عن أسئلةٍ أجابت عنها كل الأمم الناجحة

أما أوطاننا، أو كثير منها، فتسير باتجاه إعادة إنتاج "الاستقرار الوهمي" القديم، بكل خيباته، وأسباب إخفاقه، التوافق حول أي تصوّر للمستقبل (من منظور القناعات ومن منظور المصالح) يفضي إلى الإجابة عن أسئلةٍ أجابت عنها كل الأمم الناجحة، وكل تجارب التعاون الإقليمي المثمرة، وبقاء السلطة (أي سلطة) لم يكن "الأساس الصلب" لأي تجربة اجتماع سياسي ناجحة في العصر الحديث كله. ومن لم يتعلم من تجربة الاتحاد السوفييتي، والخطايا التي حدثت في مساره وأفضت إلى مآله، ليس مرشّحًا لأن ينجز أي نجاحٍ مستدام، لا وطنيًا ولا إقليميًا. والصخرة إذا سقطت من على المنحدر (لا قدر الله) فستكون العواقب مروّعة، في منطقةٍ لم تعد، بعد سنوات الإنهاك الأخيرة الماضية، قادرة على تحمل المزيد، وبعض أشكال الاستقرار أسوأ من الفوضى، بل إن بعض أنماط الاستقرار أسوأ من الاحتلال الأجنبي. الخطر الذي يتهددنا كبير، لكن الأنكى منه أنه لم يصل حتى الساعة إلى نقطة الذروة، لأسبابٍ لا دخل لنا بها، وقناعات القوى الأكثر تأثيرًا في العالم العربي لم تزل عند عتبة "الاستقرار الموهوم"!