أوروبا: الرهان على الأطلسي

أوروبا: الرهان على الأطلسي

22 مارس 2018
الصورة
+ الخط -
وقف وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، يوم الإثنين الماضي، إلى جانب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس شتولتنبرغ، في العاصمة البلجيكية بروكسل، للحديث عن التدخلات الروسية في بريطانيا. لم يجد جونسون صعوبةً في إقناع "الأطلسي" وأوروبا بمساندة بلاده ضد الروس، في شأن تسميم العميل سيرغي سكريبال وابنته يوليا. البريطانيون أذكياء بما يكفي لجعل أوروبا والأطلسي يصطفان إلى جانبهم، في الوقت نفسه، يخرجون باتفاق مؤقت، يمهّد للخروج البريطاني رسمياً من الاتحاد الأوروبي في عام 2020.
وإذا كانت علاقة أوروبا وبريطانيا واضحة المعالم، فما هو دور حلف شمال الأطلسي، الذي تكبّد الشركاء الأوروبيون المليارات على تجهيزه منذ تأسيسه في عام 1949. وفي السنوات الـ69 الماضية، لم يشارك الحلف عملياً سوى بالحروب اليوغوسلافية بين عامي 1992 و2001، ثم في حرب أفغانستان، منذ عام 2001 حتى اليوم، وفي ليبيا عام 2011. أي أن وجوده لمواجهة الاتحاد السوفييتي، إبّان الحرب الباردة (1947 ـ 1991)، لم يجدِ نفعاً. انتهى الاتحاد السوفييتي من دون "ضربة كف" بينه وبين الحلف بشكل مباشر. فهل بات الوقت مناسباً لحراك أطلسي متجدد، أو الانضواء في تشكيل جيش أوروبي  بديل؟
في الواقع، كان حلف شمال الأطلسي من القوى الاستثنائية التي استمرت في أداء دورها بعد انهيار السوفييت، خصوصاً أن سبب وجوده كان السوفييت أنفسهم، وكان يُفترض انتهاء دوره بانتفاء مسبّبه، إلا أن الأطلسي واصل تأمين ديمومته، بتوسيع خريطة مشاركته العملانية، من الساحة الأوروبية إلى أفغانستان وليبيا. لكن ذلك دونه عقبات. يريد الأميركيون دوراً أوروبياً أكبر تمويلياً. الاستقلالية الأميركية العسكرية أمرٌ لا يُناقش في البيت الأبيض، خصوصاً في زمن دونالد ترامب. القواعد العسكرية الأميركية مختلفة عن نظيراتها الأطلسية. أميركا تريد الأطلسي لمواجهة الروس، لكنها لا تريد الحلف أكبر منها.
استدرك الأوروبيون الأمر الواقع. سعوا إلى إنشاء جيش أوروبي، قد لا يسعفهم الوقت في تشكيله قريباً. يُفترض أن يكون الجيش الأوروبي بديلاً عن الأطلسي، ويتمتع باستقلالية تامّة عن الأميركيين، لكنه سيُلزم أبناء القارة العجوز على فرض مزيد من الضرائب على الداخل الأوروبي، ما يعرقل النمو الاقتصادي من جهة، ويدفع باتجاه تدهور أوضاع البلدان الأوروبية المتعثرة اقتصادياً من جهة أخرى.
هو فعلياً مأزق لأوروبا. فهي غير قادرة على التحكم بقوة الأطلسي، ولا على تشكيل جيش أوروبي، في ظلّ ارتفاع منسوب التوترات العسكرية في مختلف أنحاء العالم. وفي أي خريطة منبسطة على طاولة النقاشات، يرى الجميع أن تعدّد القواعد العسكرية الأميركية في العالم، خصوصاً على تخوم المناطق الساخنة أو فيها، أوجد تفوقاً أميركياً يصعب على الأطلسي اللحاق به. حتى أنه في ملف "الساحل 5" في أفريقيا، تبيّن أخيراً أن فرنسا تقود العمليات العسكرية بمعية بعض من دول الجوار، لكن الأميركيين سبقوهم، وأنشأوا قاعدة سرية في منطقة الساحل، بين مالي وبنين والسنغال والنيجر. عملياً، يملك الأميركيون قواعد عسكرية علنية وسرية في العالم، فماذا يملك الأطلسي؟
يملك حلاً واحداً، وهو ما سعى شتولتنبرغ إلى التأكيد عليه في لقائه جونسون، وهو "الدور الأساس في حماية أوروبا". ليس الأطلسي في وارد القيام بأي مهمة هجومية في العالم، ما لم تتصل مباشرة بالمصالح الأوروبية. وفي قضية سكريبال أظهر الأطلسي ذلك. لا يريد من البريطانيين التوجّه إلى الأميركيين في مواجهتهم مع الروس، يريد منهم الاعتماد عليه بشكل مباشر. صحيح أن الأطلسي ليس جمعية خيرية، لكن الرهان عليه في معزل عن الأميركيين هو رهان فاشل. لم يبادر الأطلسي يوماً، بل كان جزءاً من المنظومة الأميركية، والاستقلالية في العمل العسكري والإمرة العسكرية عن الأميركيين له كلفته، وقد تكون خاسرة. الأطلسي أمام مرحلة إثبات وجود، فإما يحمي أوروبا من مخاطرها، أو تستدعي الأخيرة الولايات المتحدة للمرة الثالثة في التاريخ، بعد الحربين العالميتين، الأولى والثانية.