أوروبا الخائفة

أوروبا الخائفة

20 نوفمبر 2016
الصورة
+ الخط -
يغلب الذعر الشديد على المشهد العام في أوروبا، وقد بدأ شعور الخوف الذي ولده السياسيون وضخّمته وسائل الإعلام يتسرّب إلى المواطنين، وهناك قلقٌ من المستقبل وحالة اضطراب، وشعورٌ عام بأن ما سيأتي لا يمكن لأحدٍ التنبؤ به، ولا توقع تبعاته وتداعياته.
وليس سبب الذعر ظاهرةً فلكيةً ما، ولا تحذيرات جيولوجية من وقع كارثةٍ طبيعية ما، ولا انهيارات اقتصادية، ولا تهديدات أمنية جدية أو كبرى. كل ما في الأمر أن الأميركان انتخبوا دونالد ترامب لرئاسة بلدهم لأربع سنوات مقبلة، وتتصرّف أوروبا وكأنها مستهدفة من هذا الانتخاب. وبدأ الناس يشعرون وكأن هتلر يولد من جديد، وربما قريباً ستبدأ الجيوش النازية بالتقدّم لاحتلال المدن الأوروبية. قد يبدو هذا الكلام مبالغةً لفظية، لكنه وصفٌ استخدمته إحدى وسائل الإعلام الفرنسية لتوصيف انتخاب ترامب.
وفي اجتماعاته المكثفة، يتعامل قادة الاتحاد الأوروبي مع نجاح ترامب على أنه "حادثة" انتخاب ترامب التي ستقلب العالم رأساً على عقب، وستغيّر توازناته، وستنسف كل ما عمل العالم على إنجازه خلال السنوات الماضية. وتدور التصريحات الأوروبية حول ملفاتٍ منتهية أو مواضيع باتت، أو تكاد تكون من المسلمات، مثل الاتفاق النووي مع إيران واتفاقية المناخ، وحتى حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي بقي مستقراً لم تمسّه أي حادثة منذ تأسيسه. وقد أعلن الاتحاد الأوروبي من مقره في بروكسل نيته تطوير قدراته العسكرية بشكلٍ مستقل عن الولايات المتحدة، بسبب الشكوك حول سياسة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، بشأن التعاون العسكري والأمني مع دول الاتحاد ضمن حلف "الناتو". وأكد الاتحاد الأوروبي عزمه مواصلة العمل على تنفيذ اتفاق تغير المناخ، وحماية الاتفاق النووي الإيراني، وجميع الأزمات الدولية، والتي عمل عليها، خلال هذه السنوات الثماني الماضية، جيداً مع الولايات المتحدة الأميركية.
ومجرد عقد هذه الاجتماعات الطارئة لبحث العلاقة بين الولايات المتحدة والقارة الأوروبية، كافٍ لإثارة الذعر في صفوف المواطنين الذين بدأوا يتلمسون خطراً لا يعرفون ماهيته حتى الآن.
قالت الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، كلاماً يثير البلبلة ويزيد المخاوف، مثل "سننتظر إلى حين معرفة جدول أعمال سياسة الإدارة الأميركية المقبلة وتوجهاتها، والكشف عن سياستها الخارجية، وسيواصل الاتحاد الأوروبي، في الأثناء، عمله، لأن العالم لا ينتظر، وسيمضي في انتظار تحديد الإدارة الأميركية المقبلة مواقفها والأجندة السياسة الخارجية الخاصة بها".
وقد بنيت هذه التخوفات الأوروبية، إن لم نقل السياسات، على تصريحات دونالد ترامب خلال الحملة الانتخابية، والتي قال فيها كل ما خطر في باله، حتى وصل إلى مرحلةٍ قال فيها إن من حق الولايات المتحدة أن تأخذ ثمناً مقابل حماية حلفائها والدفاع عنهم، وإن الضمانات الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة لحلفاء، مثل الاتحاد الأوروبي واليابان، ستكون مشروطة. وفي الوقت نفسه، عبر عن مواقف شديدة الاختلاف حول قضايا، مثل اتفاقية المناخ والاتفاق النووي الإيراني وعلاقات الولايات المتحدة مع العالم.
كان المواطنون الأوروبيون، حتى اللحظة، يتابعون الانتخابات الأميركية، وكأنها واحدة من برامج تلفزيون الواقع. وكانت شخصية ترامب مسليةً لهم، لكن تصرفات قادتهم، أخيراً، وتصريحاتهم تقلقهم، ففور إعلان نتائج الانتخابات الأميركية أعلنت دول أوروبية عن قلقها من تداعيات فوز ترامب، وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، وهذا حدث غير مسبوق في الأعراف الدبلوماسية، كذلك فإن السياسة الأوروبية حيال انتخاب ترامب بدأت تنقل شعوراً شعبياً بأن الأمر خطر جدي، وقد يشكل، في المستقبل، تهديداً يمسّ حياتهم، ويمكن تلمس هذا الشعور من خلال وسائل الإعلام، ومن خلال الاحتكاك بالناس في الحياة اليومية.
ربما يكون لهذا القلق ما يبرّره، وربما يكون فيه بعض المبالغة، والمعروف أن تصريحات الانتخابات لا تتطابق، بالضرورة، مع السياسة التي سينتهجها المرشح، لكن حالة الخوف الشعبي تم زرعها وتعميمها، وقد يكون لها نتائج غير متوقعة على الانتخابات المقبلة، لا سيما هنا في فرنسا، والتي لم يبق لها سوى بضعة أشهر. وربما يكون لها آثار أبعد قليلاً، فقد بدأت تصدر تصريحاتٌ خجولةٌ عن ضرورة إعادة النظر بانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وأن المتغيرات الجديدة في الولايات المتحدة ستجعل البريطانيين، وبقية الأوروبيين، بحاجة أكثر لبعضهم.
(إعلامية سورية)