أوباما يورِث خليفته إدمان "الدرونز":الحرب السرية تخرج من الظلّ

27 مايو 2016
الصورة
مقتل ألف مدني بغارات "درونز" خلال عهد أوباما(جو ماكنيلي/Getty)
+ الخط -
لا شيء يختصر عقيدة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الخارجية أكثر من سلاح الطائرات من دون طيار، التي تُعرف بـ"الدرونز"، والتي طبعت التدخّل العسكري الأميركي المحدود على جبهات مفتوحة ضد تنظيمات متشددة حول العالم، والتي أنجزت أحدث مهامها قبل أيام، عندما قتلت زعيم حركة "طالبان" الملا أختر منصور داخل الأراضي الباكستانية. الآن، بعد سبع سنوات من هذه الحروب السرية من دون حد أدنى من الشفافية والرقابة، قرر البيت الابيض إخراج هذا البرنامج من الظل. حتى الآن، لا يزال الغموض يلفّ كل أبعاد هذا البرنامج من دون آليات إشراف ومحاسبة لهذه الغارات. ولا أحد يعرف العدد النهائي لضحايا الغارات، وما هي دقة المعلومات الاستخبارية التي تحركها. لا السلطات في البلدان المعنية تكشف عن هذا الأمر، ولا الإدارة الأميركية تعطي أرقاماً واضحة ودقيقة. وبات هذا السلاح آلة القتل المفضّلة في واشنطن، فالمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، مايكل هايدن، وصف "الدرونز" في صحيفة "نيويورك تايمز" خلال شهر فبراير/شباط الماضي، بأنها "قوة النار الأكثر دقة وفعالية في تاريخ النزاع المسلّح".

البيت الأبيض سيُصدر قريباً نسخة منقّحة عن المذكرة الرئاسية السرية، التي رسمت عام 2013 المبادئ الأساسية أو قواعد استخدام عمليات "الدرونز" خارج الولايات المتحدة، وستشمل المذكرة عدد الضحايا منذ عام 2009 في الدول التي تشن فيها واشنطن غارات جوية، مثل اليمن وليبيا والصومال، لكنها قد تستثني باكستان على الأرجح حيث لا تزال الاستخبارات الأميركية تواصل غاراتها، وآخرها كانت عملية اغتيال زعيم حركة طالبان الملا اختر محمد منصور في 21 مايو/أيار الحالي. تم الإعلان عن هذا القرار خلال الدعوى القضائية حول قانون حرية المعلومات، التي رفعها الاتحاد الأميركي للحريات المدنية ضد إدارة أوباما. القاضية في مدينة نيويورك، كولين مكماهون، أمرت وزارة العدل بنشر هذه المذكرة، وجاء رد الوزارة بأن الإدارة الأميركية كانت تنوي القيام بهذا الأمر منذ فترة وهي أصبحت جاهزة لاتخاذ هذه الخطوة بعد تشاورها مع الأجهزة المعنية، للتأكد من عدم الكشف عن أية معلومات حساسة. هذا التحوّل في مقاربة إدارة أوباما يأتي في نهاية ولايته ليس كإشعار بوضع قيود قانونية وتشريعية على هذه الحروب السرية، التي تشنّها واشنطن يومياً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والقرن الأفريقي، بل كمحاولة لقوننة برنامج "الدرونز" وضمان استمراريته بعد رحيل أوباما.

تملك الحكومة الأميركية حالياً أكثر من سبعة آلاف طيارة "درونز"، 200 منها تحمل سلاحاً وتمكّنت من قتل الآلاف حول العالم منذ بدء العمل بها قبل 14 عاماً. أول طلعة جوية لطائرات "الدرونز" المسلّحة كانت في 4 فبراير/شباط 2002 في أفغانستان حين استخدمتها وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) لاستهداف مجموعة، كان يُعتقد أنها تضم زعيم تنظيم "القاعدة" الراحل، أسامة بن لادن، لكن اتضح أنهم مدنيون يجمعون الخردة المعدنية.

في المراحل الأولى من ولاية أوباما كانت وكالة الاستخبارات المركزية تنفذ حصرياً هذه الغارات، تحت إشراف جون برينا،ن عندما كان مستشار أوباما لمكافحة الإرهاب قبل توليه إدارة وكالة الاستخبارات. أواسط العام الماضي، سعى البيت الأبيض إلى تحويل هذا الملف إلى البنتاغون في خطوة قاومتها وكالة الاستخبارات وحلفاؤها في الكونغرس، وكان القرار في النهاية إنشاء قيادة مشتركة بين العمليات الخاصة في الجيش الأميركي ووكالة الاستخبارات، لكن البيت الأبيض أصرّ على أن ينفذ الجيش الأميركي هذه الغارات، لا سيما في ظل الدعوات إلى المزيد من الشفافية في هذا الملف.


في الفترة الأخيرة عاد حلفاء الوكالة في الكونغرس للدفع باتجاه نقل تفويض "الدرونز" إلى "سي آي إيه"، وذلك في رسالة كتبها كل من رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، السيناتور ريتشارد بور، وأرفع مسؤولة ديمقراطية في اللجنة، السيناتور ديان فاينشتاين، إلى أوباما. حجة المجتمع الاستخباراتي في واشنطن أنه تم في الأشهر الأخيرة تفويت فرص اغتيال قادة من تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) خلال عمليات استطلاع، لكن يبدو أن البيت الأبيض، على الأقل علناً، متمسك بمبدأ أن يقتصر دور الـ"سي آي إيه" على جمع الاستخبارات ضمن منظومة شن غارات "الدرونز".

بعيداً عن هذا الصراع المستمر داخل البيروقراطية الأميركية، لا يوجد حتى الآن ضغط شعبي جدي على إدارة أوباما لوقف البرنامج. آخر استطلاع أجرته مؤسسة "بيو" في شهر مايو/أيار الماضي، جاء فيه أن 58 في المائة من الأميركيين يدعمون ضربات "الدرونز" الجوية في الخارج. لكن هناك دعوات في مجلس الشيوخ، ومنها للسيناتور الديمقراطي في لجنة العلاقات الخارجية، بين كاردين، ليس لوقف "الدرونز" بل لوضع نظام رقابة قوي على البرنامج من قبل الكونغرس.

غير أن الصورة مغايرة خارج الولايات المتحدة. إذ ذكرت دراسة لمركز "بيو" عام 2014 أن 39 من أصل 44 بلداً حول العالم أعربت في استطلاعات للرأي عن رفضها لغارات "الدرونز" الأميركية. إحصاءات مكتب "الصحافة الاستقصائية" تقدّر أنه تم قتل خمسة آلاف شخص في غارات أميركية في ظل إدارة أوباما، وكان من بينهم ألف مدني. لكن البيت الأبيض، كما قال أوباما نفسه، تمسّك بفكرة أن أي عدد للضحايا المحتملين في غارات "الدرونز" يبقى أقل بكثير من ضحايا أي حرب تقليدية. 

في السنوات الأخيرة، تسرّب القليل من هذه المذكرة الرئاسية السرية، لكن ما يكفي لفهم صورة المعايير المتبعة وآلية صنع القرار. هذه المعايير لا تنطبق على البلدان التي فيها "أعمال عدائية"، ما يعني ألا ضوابط على "الدرونز" في العراق وسورية وأفغانستان وفي أنحاء من باكستان، كما كشف أخيراً مستشار وزارة الخارجية الأميركية، بريان إيغان. الوثيقة تتحدث عن "أساس قانوني" تستند إليه الغارات، لكن لا تحدد إذا كانت تشير إلى الدستور الأميركي أو إلى المعاهدات الدولية، التي لا تفوّض بأعمال عنف أحادية حتى في حالات الدفاع عن النفس. المستهدف من هذه الغارات يجب أن يشكّل "تهديداً مستمراً ووشيكاً للأشخاص الأميركيين"، وهو ما يتعارض مع وثيقة سرية أخرى لوزارة العدل تسرّبت إلى الإعلام عام 2013 وتجيز قتل أميركيين في الخارج، حتى لو لم يمكن هناك "دليل واضح أن اعتداء محدداً على أشخاص ومصالح أميركية سيحصل في المستقبل القريب".

أما شن غارات "الدرونز"، بحسب الوثيقة، فيحصل عندما يكون هناك "شبه تأكيد على أن الهدف الإرهابي متواجد" في منطقة الاستهداف، وأن "الأشخاص غير المقاتلين لن يتعرضوا للإصابة أو القتل". تعرّف الإدارة "المقاتلين" بكل الرجال في سن القدرة على القتال في المنطقة المستهدفة "إلا إذا كانت هناك معلومات استخباراتية صريحة تثبت براءتهم". كما تتحدث الوثيقة عن ضرورة وجود "تقييم بأن الاعتقال غير ممكن خلال وقت العملية"، وطبعاً هذا المعيار لم يُطبّق خلال عملية قتل بن لادن في مايو/أيار 2011 على الرغم من أنه لم يكن مسلحاً. والمعيار الأخير أن شن الغارة يجب أن يأتي بعد التأكد من أنه ليست هناك "بدائل معقولة" لردع هذا التهديد وأن هذه العمليات تحصل في "ظروف استثنائية" تعتبرها الوثيقة "مشروعة وضرورية لحماية الولايات المتحدة وحلفائها".

فريق عمل من الخبراء الديمقراطيين والجمهوريين في مركز "ستيمسون"، ذكر في تقرير عن سياسة "الدرونز" الأميركية في شهر فبراير/شباط الماضي، أن سلوك إدارة أوباما "يُعزز ثقافة السرية التي تحيط باستخدام الدرونز المسلحة". ويتعرض أوباما لانتقادات حول هذا البرنامج من اليمين كما اليسار. فالجهات الليبرالية تتهم إدارته بأنها تتعمد تقليل عدد الضحايا في الإعلام، وقيادات الأمن القومي عند الجمهوريين تعتبر أنه متردد ويحكم قبضته، ويجعل البيت الأبيض يدخل في تفاصيل هذه العمليات، فيما أقر الرئيس الأميركي الشهر الماضي من كلية الحقوق في جامعة شيكاغو، بسقوط ضحايا أبرياء خلال هذه الغارات، قائلاً: "ليس هناك أدنى شك في أن مدنيين قُتلوا كان يجب ألا يُقتلوا". وختم قائلاً: "في حالات الحرب، كما تعلمون، علينا تحمّل المسؤولية عندما لا نتصرف بشكل مناسب".

لكن مع هذا الإقرار بالمسؤولية الأخلاقية، وحتى مع كشف كل تفاصيل الوثيقة السرية، لا توجد مؤشرات على أن أوباما ينوي التراجع عن الإفراط باستخدام سلاح "الدرونز" خلال الأشهر الأخيرة من ولايته. فهو قام أخيراً بترقية الجنرال، جوزيف فوتيل، إلى منصب قائد القيادة المركزية في الجيش الأميركي، هذا الجنرال الذي تولى سابقاً قيادة العمليات الخاصة السرية، سيتابع تنفيذ استراتيجية أوباما لـ"مكافحة الإرهاب" وسيعطي النصائح ذاتها للرئيس الأميركي المقبل.

المساهمون