أوباما ونتنياهو... صفعة الوداع

أوباما ونتنياهو... صفعة الوداع

02 يناير 2017
الصورة
+ الخط -
ليست المرة الأولى التي يتحدّى فيها الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الرغبات الإسرائيلية، فقد كان حاسماً في قضية الاتفاق النووي الإيراني، على الرغم من المعارضة الصهيونية له، وجهد رئيس حكومة دولة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، في إقناع الكونغرس بالضغط لعرقلة تنفيذه، لكن هذه المرة يمكن اعتبارها الطلقة الأخيرة، وهي تحتوي قدراً من الشجاعة في ما يخص الموضوع الفلسطيني، لم تكن موجودةً طوال السنوات الثماني من حكم إدارة أوباما. تمرير قرار مجلس الأمن، أخيراً، عدم شرعية بناء المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، من دون استخدام حق النقض، يُعَدُّ الضربة الوداعية من أوباما لنتنياهو، وهو يخرج من البيت الأبيض خلال أقل من شهر، ما يعني تحرّره من أي أعباء.
يقوم نتنياهو بردة فعل مبالغٍ فيها تجاه القرار، كما فعل في موضوع الاتفاق النووي. وللمبالغة هنا مبرّراتها، فأولاً أي اختلاف مع الولايات المتحدة في معالجة ملفات المنطقة، ولو كان صغيراً، مقلق، إذ يمكن أن يترسّخ أكثر، ما يجعل الصراخ بصوتٍ عالٍ بمثابة جرس الإنذار للساسة الأميركيين، المتعاطفين مع إسرائيل، وهو ما يدفع نتنياهو إلى اتهام إدارة أوباما بطبخ القرار والدفع نحو تقديمه والتصويت عليه، ليصبح تصرف أوباما في موقع الإدانة داخل المؤسسة الأميركية الحاكمة. أما ثانياً، فالمسألة تتعدّى الحدث إلى ما بعده، فقد سعى نتنياهو من الجَلَبَة التي أحدثها إثر الاتفاق النووي مع إيران إلى زيادة المساعدات الأميركية لكيانه الغاصب من جهة، والضغط لعدم تقديم مزيد من التنازلات لإيران التي تشكل بالنسبة له خطراً عظيماً، في ملفات المنطقة الساخنة. في حالة قرار الاستيطان، يريد نتنياهو ضرب أي مفاعيل مستقبلية للقرار، وأي عملٍ من شأنه الضغط دولياً على إسرائيل لإيقاف الاستيطان.
لا يقدّم القرار نفسه أي آلية لإلزام إسرائيل بإيقاف الاستيطان، وهو تحت الفصل السادس لا السابع، ولا يوجد حتى الآن ما يوحي بمسعى دولي لفرض عقوبات على إسرائيل بسبب الاستيطان، وحديث إدارة أوباما عن حل الدولتين لا يقدّم ولا يؤخر، إذ استمر إجهاض حل الدولتين، طوال سنوات حكم هذه الإدارة، وهي لم تحرّك ساكناً، وصار هذا الحل غير ممكن، بالنظر إلى الوقائع على الأرض. يتمثل المعنى الإيجابي للقرار في إصرار أربع دولٍ غير
عربية على تقديمه للتصويت، وما يمكن أن يعنيه ذلك من ازدياد حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل، في المستويين الرسمي والشعبي، بينما تغيب أي آلية عربية لمقاطعة إسرائيل، وأي عمل على الحشد دبلوماسياً ضدها، بل تزداد العلاقات حميميةً بين بعض الدول العربية وإسرائيل.
خلاف الإدارات الأميركية الديمقراطية مع اليمين الصهيوني قديم، فقد عانى الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، كثيراً في التعاطي مع نتنياهو نفسه في تسعينيات القرن المنصرم، بخصوص عملية السلام وقتها. ولا تنبع المسألة هنا من حرصٍ على حقوق الفلسطينيين، وكلينتون وأوباما حريصان مثل بقية الساسة الأميركيين على الكيان الصهيوني، إنما يظهر اتجاه أميركي يجد صداه عند بعض "اليسار" الإسرائيلي يؤكد على حل الدولتين، ورفض الاستيطان المؤدي إلى إفراغ هذا الحل من محتواه، لأن غياب هذا الحل يعني تورّط إسرائيل في فكرة الدولة ثنائية القومية. ويريد هذا الاتجاه تجنيب إسرائيل هذه الورطة، لكنه بالتأكيد ليس حريصاً على لعب دور الوسيط النزيه في مفاوضات التسوية، أو انتزاع حقوقٍ للفلسطينيين، تتعارض مع ضرورات بقاء الهيمنة الإسرائيلية، وحماية مستقبل الكيان الصهيوني.
ربما يشير هذا التوتر الأميركي الإسرائيلي إلى اختلافاتٍ طرأت على العلاقة، لكنها تبقى علاقةً عضوية، تتداخل فيها عوامل الاندفاع الأيديولوجي مع المصالح الاستراتيجية، والتوظيف السياسي والعسكري. لا بد من التذكير بسطوة تيار "المسيحية الصهيونية" في السياسة الأميركية، فالحماسة لإسرائيل أسباب عقائدية، كما أن لتوظيف إسرائيل في المنطقة، واعتبارها قاعدة أميركية متقدمة، منافع استراتيجية، خصوصاً في مواجهة أعداء أميركا داخل المنطقة العربية. لكن هذه الاستفادة تراجعت كثيراً، وشنت الولايات المتحدة، في العقدين الماضيين، الحروب بنفسها، تحديداً في العراق، ثم جاء وقت الانكفاء الجزئي عن تفاصيل المنطقة. وفي حالتي الهجوم والانكفاء الأميركيين، لم يعد الاعتماد على إسرائيل في نزاعات المنطقة كبيراً كما في السابق، خصوصاً مع فشل الاعتماد عليها في حرب يوليو/تموز 2006، وخيباتها في حروب غزة.
ولكن، تظل العلاقة بين الطرفين أكثر عمقاً من خلافٍ تفصيلي، مثل الخلاف حول المستوطنات، ولم تصبح إسرائيل عبئاً بأي شكلٍ على الولايات المتحدة، خصوصاً أن الأميركيين لا يخشون غضب العرب من علاقتهم بإسرائيل، بل بات النظام العربي الرسمي يتفهم الانحياز الأميركي لإسرائيل ويقر به. وصارت بعض الأنظمة العربية تتودّد لإسرائيل لتكون جسراً لها مع واشنطن، وتنفعها مع دوائر الحكم هناك، فالاعتقاد أن رضا واشنطن يمكن تحصيله عبر علاقةٍ وطيدةٍ مع إسرائيل يسيطر على تفكير أنظمة عربية، منذ عهد الرئيس أنور السادات.
يعرف نتنياهو أن أوباما راحل، وهو يعوّل على تفهم ترامب لسياساته، لكن أزمة الدور الوظيفي لإسرائيل لن تُحَل ببساطة، كما أن الانكفاء الأميركي، المرشح للاستمرار في عهد الرئيس الجديد، دونالد ترامب، يضاعف من مخاوف نتنياهو، لأنه يسمح لأعدائه في المنطقة بكسب مساحاتٍ أوسع.