أوباما.. الإحجام الأميركي
احتجاجات ميسوري على قتل الفتى مايكل براون (18 أغسطس/2014/Getty)
قبل 10 سنوات، ذُبح الأميركي، نيكولاس بيرغ، على يد تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، بزعامة أبو مصعب الزرقاوي. بعد 10 سنوات، ذُبح الأميركي، جيمس فولي، على يد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، بقيادة، أبو بكر البغدادي. "داعش" ابنة "قاعدة الجهاد"، والبغدادي خليفة الزرقاوي. فولي هو بيرغ آخر. الأبوات هم الأبوات، والأميركيون هم الأميركيون.
تتشابه الطريقتان، بأمور شتّى. في ذبح بيرغ، كان "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"، يُعلن عن حضوره في مستنقعات العراق. في ذبح فولي كان "داعش"، يُكشف عن نواياه المستقبلية. في الحالتين كان الأميركيون في الصورة. في الحدثين، لم يلتفت أحد إلى المدنيين العراقيين أو السوريين. هناك فقط تغيير في المسار الأميركي، أو تطوير.
احتاج الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش الابن، إلى شرارة عراقية. كان بيرغ نموذجاً، لتوسيع أفق التدخّل الأميركي. فولي كذلك. رأس الرجل سيُدشّن عهداً أميركياً جديداً، يهدف إلى استئصال "داعش".
ينوي الأميركيون التحرّك جدّياً، لبدء الصراع العسكري الفعلي مع "داعش"، وعدم الاكتفاء بالضربات الجويّة. هكذا أوحوا. لن يرفض الرئيس، باراك أوباما، مثل هذه الفرصة، لمحاولة حزبه الديمقراطي قطف ثمارها في الانتخابات النصفية في الكونغرس، في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، كما سبق له قطف ثمار قتل زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، في مايو/ أيار 2011، ووظّفها في الانتخابات الرئاسية 2012.
الأميركيون لن يكونوا وحدهم. يريدون إنهاء استراتيجية الأعوام الماضية التراجعية، والعودة إلى المبادرة. هم على يقين، أن "غياب الفعل" الأميركي أدّى إلى أزمة أوكرانيا، وتوتّر الوضع في أفغانستان وباكستان والعراق وسورية وليبيا. يريد الأميركيون التخلّي عن "سلميتهم"، وحتى عن غياب "ردّ الفعل"، ليستعيدوا المبادرة.
يريدون للمبادرة أن تكرّس عهداً أميركياً جديداً. فواشنطن بدأت بتعبيد الطريق أمام حكم جمهوري آتٍ، قادر على محو صورة "الخنوع" الأميركي، ومواجهة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والتحرّك أكثر في وسط آسيا، والتأكيد على أن "امبراطورية اليانكي، لم تنتهِ بعد".
أمام الأميركيين مشكلة وحيدة، قبل استعادة المبادرة: التمويل. الديون الأميركية تجاوزت حدّ المعقول، وتراكم الفوائد، سيؤدي إلى حالة من الضمور الاقتصادي، الذي لن يكرّر ركود ثلاثينات القرن الماضي، لكنه قد يشلّ البلاد فترة طويلة. يحتاج الأميركيون، في هذا الصدد، الى شنّ هجوم استباقي، من ناحية تشديد القبضة على منابع النفط وطرق المواصلات، كحلّ دفاعي، أمام الزحفين الروسي والصيني. في يقين الأميركيين أنهم سينجحون في مسعاهم. لم يعد أمامهم حلّ آخر.
هنا، لا يبدو أن أوباما مهتمّ بالفعل بكيفية تطوّر الأمور. فبعد العام 2016، سينساه الجميع، وسيُذكَر عهده، على أنه عهد الاحجام الأميركي. وهو كرّس هذا الإحجام في أكثر من مرة. أوباما "الديمقراطي"، وُجد لغاية واحدة: استراحة المحارب "الجمهوري"، بعد ثماني سنوات مضنية. وحتى يُعرف من أي طينة هو أوباما، يكفي النظر إلى احتجاجات مدينة فيرغسون، في ولاية ميسوري. لم يتّخذ الرجل موقفاً حاسماً، في ملف عرقي ــ اجتماعي، بل احتكم إلى الصمت. ومن لم يستطع معالجة ملف مدينة أميركية صغيرة، لن يكون صعباً عليه قيادة الانحدار الأميركي العالمي، بحسب النظرة الأميركية.