أهرامات دهشور العجيبة

05 يوليو 2017
الصورة
منطقة دهشورمن أهم المناطق الأثرية في العالم (Getty)
لا يعرف كثيرون أن منطقة دهشور تعد واحدةً من أهم المناطق الأثرية في العالم القديم، فهي مهد الصورة الناضجة للأهرامات المصرية. وتضم دهشور حالياً خمسة أهرامات باقية من بين عشرة كانت شاخصة فيها منذ عهد الفراعنة.

وفي هذا المكان قام الملك سنفرو، أحد ملوك الأسرة الرابعة ووالد الملك خوفو، بجهود معمارية عظيمة تمثل مرحلة وسطى في بناء الأهرامات بين مرحلة "الأهرامات المدرجة" التي درج عليها أسلافه، والمرحلة الناضجة المثالية لبناء الأهرامات الملساء التي اكتملت صورتها في هرم خوفو بالجيزة.

ما أكثر الأهرامات التي حاول سنفرو بناءها، ولعل أولها: "هرم ميدوم" في بني سويف، والذي انهار لاحقاً وصار أطلالاً بسبب أخطاء في التصميم والتنفيذ، كما أنه أمر بإيقاف العمل فيه قبل إتمامه. بعدها اتجه سنفرو إلى دهشور ليقوم بثلاث محاولات أخرى خلال فترة حكمه المديدة التي جاوزت خمسين عاماً على الأرجح. وقد قام علماء المصريات بعمل إحصائية أظهرت أن أجمالي الوزن الكلي للكتل الحجرية لأهرامات سنفرو الأربعة تزن أكثر من كل آثار هضبة الجيزة في كفة واحدة دون النظر إلى قيمة الإنجاز المعماري ومدى نضجه.

اتجه سنفرو إلى دهشور، في محاولة لبناء مجد معماري جديد، عبر بناء هرم ضخم أملس من القاعدة للقمة، وبزاوية قدرها 60 درجة. لكن المهندسين سقطوا أولاً في خطأ الاختيار السيىء لموقع بناء الهرم، فالأرض كانت طينية رخوة وغير مناسبة، كما أخطأوا في حساب الثقل والأحمال.

وحين وصل البناء إلى منتصف الهرم تقريباً، اكتشف المهندسون خطأ درجة الزاوية التي اشتغلوا عليها، فقاموا بخفض درجة الزاوية إلى 54 درجة، وهو إجراء فاشل لم يحمِ البناء من ظهور شروخ كبيرة ظهرت سريعاً جداً في جدرانه أثناء العمل؛ فاتخذوا إجراءات عاجلة بوضع دعامات للبناء من الداخل. استمر المهندسون في ارتكاب الأخطاء، فبعد وصول البناء إلى ارتفاع 45 متراً؛ قرروا أن يقل الانحدار إلى 43 درجة. ولذا كانت النتيجة النهائية ظهور "الهرم المنحني" العجيب الذي استغرق بناؤه 14 سنة كاملة. وبلغ ارتفاعه في النهاية 101.1 متراً، بينما مساحة قاعدته 188.6 متراً. ليعد بذلك أضخم خطأ معماري في التاريخ الفرعوني.

الأخطاء المتتالية التي ارتكبت أثناء العمل في البناء كان لها فضل كبير في اكتشاف تقنية بناء الأهرامات الكاملة لاحقاً، وذلك عن طريق وضع طوابق أفقية مربعة من الحجارة. تقل مساحتها كلما ارتفعنا إلى الطبقات الأعلى، وذلك بزاوية ميل قدرها 52 درجة، بدلاً من البناء بزاوية 55 أو 43 درجة، كما كان في حالة الهرم المنحني. إضافة إلى تقنيات أخرى تتعلق بطريقة نحت الحجارة بصورة تتناسب مع النظام الجديد الذي اعتمد في بناء الأهرامات.

المهم أن شكل الهرم المنحني، الذي بُني إلى جوار القصر الطيني الكبير الذي اندثر الآن؛ لم يعجب سنفرو فأهمله وقرر بناء هرم جديد على بعد كيلومتر ونصف كيلومتر شمال الهرم المنحني، ليكون مقبرة له. أطلق عليه الملك اسم "الهرم الشمالي" لكنه اشتهر باسم "الهرم الأحمر" لطبقة الصدأ الحمراء، التي تعلو أحجاره، ويسميه أهالي المنطقة أيضاً "الهرم الوطواط"، وهو يمتاز بخشونة مظهره الخارجي وانحداره القليل. كما يعد أول هرم مثالي على الطراز الجديد، والأضخم في عصره، قبل أن يُشيَّدَ هرما خوفو ثم خفرع فوق هضبة الجيزة، حيث صار الآن ثالثاً.

يقول المستشرق البريطاني، بيتر سنودون، مؤلف كتاب "أربعون هرماً من مصر وما يجاورهم": "وحجرة الدفن (المختبئة في عمق سحيق) في الهرم الأحمر مفتوحة للزوار، وإحدى فوائد كون برامج الجولات السياحية عادة ما تتجاهل دهشور أن بإمكان المرء أن يتذوق ذلك الجو النفسي الفريد في داخل الأثر وهو في عزلة"، في إشارة إلى مناطق أخرى مثل هضبة الجيزة التي يكثر فيها سماسرة الخيل والجمال وبائعو الهدايا التذكارية الذين يعطون هضبة الجيزة طابع البازار، أكثر منها مقابر ملكية.


دلالات