أهداف الثورة السورية بعد سيطرة الأسلمة (1-2)

02 يناير 2015
الصورة

لاجئون سوريون في مخيم الزعتري في الأردن (18مارس/2014/الأناضول)

+ الخط -

ما بقي من شعارات الثورة السورية وأهدافها هو شعار إسقاط النظام، وكأن تمرُّد الشعب، وكل قوة الثورة وعنف السلطة، كان من أجل السلطة فقط. بالتالي، ليكون كل هذا الدم والدمار هو فقط من أجل إسقاط نظام بشار الأسد. هل قامت الثورة من أجل ذلك فعلاً؟
ما يطرح السؤال أن "الطابع العام" للكتائب المسلحة التي تقاتل النظام باتت تتبنّى إقامة "الدولة الإسلامية"، من منظور أصولي "سنّي". بمعنى أن البديل، الذي بات مطروحاً، لنظام بشار الأسد هو البديل الأصولي الإسلامي. بالضبط، كما قال خطاب السلطة منذ اليوم الأول للثورة. ولا شك في أن موضوع محورة المسألة في إسقاط النظام فقط هو ما سمح بالوصول إلى ذلك، لأن هذه القوى "تقاتل من أجل إسقاط النظام". وهذا يفرض أن يعاد النظر في كل مسار الثورة. لكن، لا بدّ من تحديد الأهداف والشعارات التي فرضها المتظاهرون، منذ البدء، لفهم هذا المسار.
عن مسألة الحرية
ربما كان الشعار الأول الذي طُرح في أول تظاهرة هو: حرية، أو ما طرح ردّاً على شعار السلطة: "الله، سورية، بشار وبس"، شعار: "الله، سورية، حرية وبس". وكان هذا الشعار يلخّص مسار عقود من نضالٍ خيض من أجل الحرية، بعد استحكام سلطة حافظ الأسد، حيث تشكّلت سلطة دكتاتورية شمولية، كان محورها الرئيس وأداته أجهزة الأمن، وعبر السيطرة على المجتمع المدني والتعليم، والذي تبلور في سنة 1980 بشعار: النظام الوطني الديمقراطي، وفي "ربيع دمشق" بـ: الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية.

نشأ هذا الهدف عن رفض الطابع الاستبدادي الشمولي للسلطة، وعن السعي إلى تحقيق الدولة الديمقراطية، والذي عبّر عن طموح أحزاب المعارضة اليسارية، خصوصاً، التي وجه أعضاؤها بالاعتقال الطويل سنوات الثمانينيات والتسعينيات. لكنه بات هدف فئات شبابية، هي من الفئات الوسطى المتعلّمة، والتي كان بعضها يواجه مأزق غياب فرص العمل. وهي الفئات التي كانت الدينامو الذي أخذ ينشط، منذ ثورة مصر، لتفعيل الثورة في سورية، وقاد تظاهراتها الأولى، وأسّس التنسيقيات التي لعبت دوراً مهماً في تنظيم الحراك الثوري. وهي الفئات التي كانت على تواصل مع "ربيع دمشق"، إلى حدّ ما، بأفقه المفتوح ومطالبته بالحرية والديمقراطية، كما كانت على تواصل مع العالم عبر الإنترنت الذي سمح لها بالتواصل مع عالم آخر، تحرري وديمقراطي، يقوم على "فردية"، لا تلغي الترابط المجتمعي، وحريات تسمح بالتعبير عن الذات، وبالنقد والتفكيك، وكشف المشكلات. ولهذا، كانت الحرية الهدف المركزي في نشاطها، والذي يتضمّن ذلك كله. لكنها، كما أحزاب المعارضة، كانت تعتقد أن الحرية مرتبطة بالليبرالية من دون انفصام، أو إمكانية للانفصام. وبالتالي، كان بديلها الاقتصادي اللبرلة (الذي كانت تقوم السلطة به فعلياً، ولكن، في ظل تحكم استبدادي).
لكن، هذا مستوى شمل، كما أشرنا، أحزاب المعارضة وفئات وسطى. وربما لم يكن في أهداف الأغلبية التي قامت الثورة على أكتافها، حيث كان "نزع السياسة"، والتجهيل الثقافي الذي مارسته "دولة البعث" يمنع على الطبقات المفقرة المهمشة أن تعرف معنى الحرية، والذي هو مفهوم سياسي بامتياز. لكن، كانت لكل هذه الطبقات مطالب بالتأكيد، وعلى الرغم من أنها كرّرت شعار الحرية الذي بات يلخّص جوهر الثورة، فقد كانت تنتفض نتيجة الوضع الذي يعيشه، ومن أجل تغيير هذا الوضع. كانت أولويتها تجاوز الفقر والتهميش والمقدرة على العيش، حيث كانت النسبة الغالبة إما تعيش حالة بطالة (30-33%)، أو تعيش حالة الفقر والفقر الشديد، وبالتالي، عدم القدرة على العيش أو على العلاج أو على إيجاد مسكن، أو على التعليم الجامعي.

هذه المشكلات هي التي كانت تراكم الاحتقان لدى كل هؤلاء، والذي كان الخوف من استبداد السلطة يكبته. لكن بدء الحراك، سواء بفعل أثر أدخلته ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، أو بفعل "الحادث الصغير" الذي جرى في درعا نتيجة ظلم تاريخي، واعتقال أطفال (وانهيار زراعي في منطقة زراعية)، أدّى إلى تتالي الانخراط في الثورة، خصوصاً من الفئات المفقرة، والتي باتت أساس كل التظاهرات الكبيرة والضخمة. وبهذا، عبّر هؤلاء المفقرون عن أزمتهم، ومن ثم عن "حلمهم" في أن يستطيعوا تجاوزها بعد إسقاط النظام، الأمر الذي كان يجعل الحاجة إلى العمل والأجر المناسب والتعليم والصحة والسكن المطالب المضمرة لكل هؤلاء.
ولقد ظهرت أنانية المعارضة والفئات الوسطى منذ بدء الثورة، حيث حاول هؤلاء احتكار الهدف منها بحصره في الحرية، أو في الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، في عملية تجاهل كاملة لأزمة هؤلاء المفقرين، وهم أغلبية المجتمع، وقامت الثورة على أكتافهم، والذين كانوا الأكثر جرأة وتضحية وبطولة. وربما هذه الأنانية هي التي فتحت الباب لأن لا يبدو أن للثورة مطالب، ومن ثم أن تصبح "الدولة الإسلامية" البديل. فقد أدّى التركيز على الحرية، هدفاً وحيداً، إلى حصر الأمر في إسقاط النظام، من دون بلورة نظام بديل، يأخذ في الاعتبار مطالب الشعب الذي يخوض الثورة. وكأن صراعاً غريزياً كان يحكم علاقتها بالنظام، جعلها تحوّل إسقاطه إلى النقطة المحورية، من دون بديل سوى الكلمة العامة: الحرية. وهي التي كان يمكن أن تنقلب إلى "الدولة الإسلامية"، من أجل التخلص من النظام.

مظاهرة في تركيا لنصرة الشعب السوري (15مارس/2014/الأناضول)

بالتالي، كان جوهر الثورة يتمثّل ليس فقط في تغيير الشكل السياسي للسلطة، من سلطة استبدادية إلى أخرى ديمقراطية، بل في تحقيق وضع اقتصادي، يتضمن حل مشكلات البطالة العالية والفقر الشديد، وانهيار التعليم والصحة والسكن. ما يعني تغيير النمط الاقتصادي القائم، وفرض بديل اقتصادي يحقق ذلك. مع العلم أن سبب كل هذه المشكلات هو تعميم اللبرلة التي باتت تخدم فئة مافياوية هي التي تحكم، وباتت تريد الاستبداد من أجل قمع الاحتجاج على نهبها.
ولا شك في أن طرح كل هذه المطالب كان يعمّق الطابع الديمقراطي للثورة، ويؤسس الوعي المجتمعي به، ومن ثم يؤسس لترابط مجتمعي، يقوم على رؤية وبرنامج مدني وطبقي وتحرري. وبالتالي، يمنع الانقسامات الأخرى، خصوصاً وأن السلطة تعمل منذ البدء على تكريسها. وأقصد، هنا، الطابع "الديني" والطائفي.
إذن، كان هدف الثورة تحقيق مطالب مجمل الشعب، من الحرية والديمقراطية، عبر تأسيس دولة علمانية ديمقراطية، إلى إيجاد فرص عمل تنهي البطالة، وزيادة الأجور، بما يسمح بعيش كريم، وتعيد بناء التعليم والصحة والبنية التحتية، وتحل أزمة السكن. هذا هو مضمون الثورة السورية، وكل الثورات العربية.
الأسلمة وأهداف الثورة
هل تحمل القوى السلفية التي باتت تسيطر على مشهد الثورة أي إمكانية لحل هذه المشكلات؟
على مستوى الحرية، سنلمس أنها، ليس لا تزيل الاستبداد الشمولي فقط، بل تعممه على ما هو شخصي كذلك. فهي تفرض نمطاً أيديولوجياً جداً كسلوك عام، يجب أن يلتزم به كل شخص، وهو نمط ما دون سياسي، يحصر النشاط بما هو "ديني"، وضد كل نشاط سياسي أو نقابي أو احتجاجي، وفكري، أو حتى ثقافي عام خارج الدين، الدين الضيّق الذي يؤسس أيديولوجية هذه القوى. إنه يسلب الذات، ويفرض الاغتراب الشامل. ويلغي النساء والأديان الأخرى والأقليات الدينية والإثنيات، ويعيد بناء المجتمع، كمجتمع جاهل قروسطي متخلف. هنا، يتعمم الاستبداد، من مستواه السياسي إلى المستوى المجتمعي العام، أي أنه يؤسس لنظام استبدادي شامل، يطال كل مناحي الحياة، التي تُخضع لفتاوى قروسطية وسلوك بدائي، وثقافة جاهلة وشكلية جداً ومحدودة.

بالتالي، سيكون وضع النظام الحالي أفضل من الشكل الذي يطرحه هؤلاء الآتون من مجاهل القرون الوسطى على رافعة الحداثة بأرقى صورها، الحداثة التي تستلزم انتشار كل هذا الجهل. ومن ثم ما يطرحه هؤلاء يتناقض مع طموح الفئات الشبابية التي بدأت الثورة. لقد أرادت التقدم خطوة نحو الحرية، فباتت تواجه العودة إلى القرون الوسطى، في ظل نظام استبدادي شامل، يفرض التدخل في الخصوصيات، وبما هو شخصي، وتحوّل الفرد إلى "أداة" بيد أيديولوجية قادمة من مجاهل التاريخ.
في مستوى المطالب الشعبية التي تتعلق بالبطالة والفقر، والتي تفرض تغيير النمط الاقتصادي مما هو قائم على أساس ريعي إلى بناء اقتصاد منتج، فإنه لا رؤية ولا فهم لدى هذه القوى لذلك كله، سوى تطبيق الشرع فيما يتعلق بالحلال والحرام، وربما الخراج والجزية. الأمر الذي يعني بقاء الواقع كما هو، وربما انحداره، نتيجة الآثار التي سيتركها فرض الشرع على الاقتصاد، فالشرع لا يشمل حلاً للمشكلات المجتمعية الراهنة، ولقد تلخّص المنظور الأصولي في قصر الاقتصاد على التجارة، وظهر ميل، ضمن هذا المنظور، إلى محاربة الصناعة، كونها نتيجة الحداثة الغربية. وبالتالي، لا حلول لديها لتلك المشكلات التي تخص أغلبية المجتمع. ولهذا، سوف تتعمم المافيا والتهريب، وينتشر الحشيش، كما في كل المواقع التي تسيطر عليها قوى أصوليه من أفغانستان إلى سهل البقاع. بمعنى أن الوضع الاقتصادي سيحكم إما انطلاقاً من تجربة قائمة على التجارة، من دون سعي إلى بناء اقتصاد منتج، يتضمن حلاً لمشكلات البطالة والفقر وانهيار البنية التحتية والصحة والتعليم، أي يبقى ليبرالياً منحكماً لمنظورات أصولية، أو يترك لنشاط عشوائي، ويزيد إخضاعه لحكم "الشريعة"، وفق المنظور السلفي من تفككه وتفتته وانهيار ما تبقى من عناصر إنتاج. هذا ما يمكن أن تحققه هذه القوى، وهو ما يزيد من المشكلات المجتمعية، ومن الفقر والبطالة، ويؤدي إلى تشكّل عصابات ومافيات تنشط باسم الدين.
لهذا، سيبدو أن الانتقال إلى هذه القوى الأصولية إلى ارتداد إلى الخلف، وفتح الأفق للدمار الاقتصادي، ولنشوء كل أشكال الاقتصاد الأسود. وإلى سيادة حكم استبدادي شمولي، أشدّ شناعة من استبداد السلطة القائمة. وبالتالي، باتت القوى الأصولية التي تقاتل السلطة تسعى إلى فرض برنامج مضاد للشعب، ويرجع المجتمع قروناً إلى الوراء، ومن ثم يزيد من المشكلات المجتمعية التي أفضت إلى نشوب الثورة. إنها ردة بكل معنى الكلمة.

ولهذا، يصبح شعار إسقاط النظام مربكاً، بل مخيفاً، لأن البديل هو الأسوأ. بالتالي، لا بد من ربط هذا الشعار بالبديل الذي يحقق مطالب الشعب. انطلق الشعب من أجل الحرية والعيش الكريم، لكنه بات ينحكم لقوى ترفض الحرية، أصلاً، وتريد فرض منظور ضيّق قروسطي، يعمّق الاستبداد والفرض، ولا يحمل سوى الدمار المجتمعي، من دون أمل في حلّ المشكلات المجتمعية التي صنعت الثورة.
لهذا، سيبدو الانخراط في الكتائب الأصولية، من داعش والنصرة إلى أحرار الشام وجيش الإسلام، من الشباب الذي خاض الثورة منذ البدء ملفتاً. حيث يزيد الانقلاب من الثورة من أجل مطالبه إلى القتال لإسقاط النظام من أجل "دولة إسلامية" من المشكلات المجتمعية التي كانت سبب الثورة. بات يظهر أن القوى التي تقاتل السلطة هي القوى الأصولية التي لا تريد سوى إقامة "دولة إسلامية"، وأن المعارضة هامشية، والكتائب المسلحة الأخرى تعاني من نقص التسليح والمال والحصار التسليحي والمالي، ويجري العمل على قضمها من القوى الأصولية الكبيرة. وحيث قتل أو سجن أو تشرّد الشباب الذي بدأ الثورة وهو يحلم بالحرية.
إذن، بات المشروع المطروح بديلاً عن السلطة مشروعاً أصولياً أسوأ من السلطة نفسها، ودموياً مثلها، واستبداديته أعلى، لأنها تطال ما هو شخصي. وانتصاره يستجلب الفوضى والصراع المستمر، وبالتالي، استمرار التدمير والقتل، وغياب الدولة لمصلحة إمارات أصولية.