أهالي دير الزور قلقون على مستقبل أبنائهم

11 نوفمبر 2018
الصورة
في إحدى مدارس دير الزور (أيهم المحمد/ فرانس برس)
يبدو أهالي دير الزور قلقين على مستقبل أبنائهم، في ظلّ تردّي الواقع التعليمي، إن لجهة توفّر البنى التحتية التي تشتمل على المدارس والمناهج وما إليها، وإن لجهة توفّر كادر تعليمي متمكّن قادر على التعامل مع تلاميذ جزءٌ منهم انقطع عن الدراسة لسنوات عدّة وجزءٌ آخر كان يتابع دراسته في مناطق النظام السوري بطريقة أو بأخرى.

أم عبد الله (39 عاماً) عادت وعائلتها إلى دير الزور، شرقي سورية، بعدما كانت قد نزحت إلى دمشق في عام 2012. تقول لـ"العربي الجديد" إنّ "عائلتي واحدة من عائلات كثيرة أُجبرت على العودة إلى دير الزور. نحن مرتبطون بوظيفة في القطاع العام، وكنّا قد نُقِل مركز عملنا في السابق إلى دمشق بسبب التوترات التي شهدتها مناطقنا. أمّا اليوم، فثمّة قرار بإرجاع جميع الموظفين إلى مراكز عملهم الأصلية، بحجّة أنّ تلك المناطق صارت آمنة، وإلا سوف نُفصَل من الوظيفة تحت بند التغيّب عن العمل".




تضيف أنّه "في ما مضى، لم أكن أتخيّل أن أترك منزلي ومدينتي، لكنّني اليوم فلا أعلم كيف لي أن أعيش فيهما. منزلي شبه مدمّر، ولم أجد فيه أيّ نافذة أو باب، ويحتاج إلى مبلغ كبير من المال لترميمه بالحدّ الأدنى، في حين أنّ دخلي ودخل زوجي وكذلك دخل ابني الكبير بالكاد تسد رمقنا، والدولة بدورها لا تقدّم أيّ معونة تمكّننا من العيش في مدننا".

وتتابع أم عبد الله أنّ "المشكلة الأكبر بالنسبة إليّ هي مستقبل أطفالي التعليمي. حلمي أن يكملوا تعليمهم وهذا الشيء الوحيد الذي أستطيع تسليحهم به حتى تكون لهم فرصة تأمين عيش كريم في الغد. لكنّني لا أظنّ أنّه سوف يكون لهم هذا المستقبل في حال استمرّ الوضع التعليمي في دير الزور على حاله. الفصل الدراسي الأول يكاد أن ينتهي ولم تؤمَّن للتلاميذ بعد كتبهم كلّها المواد، ما اضطرني إلى شراء نسخ كتب لهم من دمشق، بواسطة أخي الذي يعيش هناك. لكنّ كثيرين غيرنا لا يستطيعون شراء كتب لأبنائهم أو ليس لديهم أحد في دمشق أو غيرها من المناطق الأكثر استقراراً".

مهاب السعيد (43 عاماً) من أهالي ريف دير الزور، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الحياة مأساوية في دير الزور، بكل مستوياتها. ما زلنا نعاني نقصاً كبيراً في كلّ الخدامات الأساسية للحياة، خصوصاً في الكهرباء ومياه الشرب". يضيف أنّه "في ما يخصّ التعليم، لا أعتقد أنّ أبنائي يستفيدون شيئاً من المدرسة، فالازدحام كبير في الشعب". يضيف أنّ "المدارس بمعظمها تعاني من نقص في عدد المقاعد، ما يجعل التلاميذ في أحيان كثيرة يجلسون على الأرض. وفي هذه الأيام، بدأ البرد يزداد، ما قد يتسبب في إصابة الأطفال بالأمراض. وثمّة أطفال يحملون معهم إلى المدارس ألواح كرتون مقوّى ليجلسوا عليها. والجلوس على الأرض يصعّب على الأطفال الكتابة".

من جهتها، تقول أمينة عمر (45 عاماً) وهي من سكان دير الزور، لـ"العربي الجديد"، إنّ "مصيبتنا أكبر بكثير ممّا تتصوّرون، فهي أكبر من مقعد وكتاب. مشكلتنا هي في الكادر التعليمي. قبل أن أتحدّث عن المناهج التي يدرّسونها لأولادنا، أودّ القول إنّه لا بدّ من أن يكون المدرّسون قادرين ومدرّبين على التعامل مع أطفال عاشوا على مدى سنوات في بيئة تسيطر عليها أفكار متشددة، بيئة كان معيارها يتلخص بالسلاح والقتل معيارها الأساسي بينما يُعَدّ العلم فيها كفراً". وتشدّد على أنّ هؤلاء الصغار "يحتاجون إلى برامج خاصة وتعامل خاص، لكن ما ألاحظه اليوم هو أنّ العملية التعليمية أو التربوية لا تتعدى تكديس أطفال في المدرسة لساعات عدّة وإطلاق سراحهم في ما بعد، من دون أن يتعلموا شيئاً يُذكر". وتلفت إلى أنّ "الأطفال يشعرون أكثر باليأس وبعدم قيمة المدرسة والعلم. هي ليست جاذبة لهم بأيّ شكل من الأشكال".

أمّا أبو مروان (41 عاماً) من ريف دير الزور الشرقي، فيؤكد لـ"العربي الجديد": "لم نشعر بالاستقرار بعد، على الرغم من أنّنا تخلصنا من تنظيم داعش. فاليوم، قوات سورية الديمقراطية (قسد) تسيطر على المنطقة وهذا يهدد باندلاع معارك بينها وبين قوات النظام في أيّ وقت. حتى المدارس هنا تعتمد مناهج خاصة وضعتها قسد ولا يعترف بها النظام ولا بمدارسها ولا بامتحاناتها". ويشرح أبو مروان أنّ "ذلك يعني عدم الاعتراف بالتحصيل العلمي للتلميذ. فإذا أراد التقدّم إلى الشهادة الأساسية أو الثانوية، يتوجّب عليه الالتحاق بمدارس النظام، وهذا ما يجعلنا ويجعل أبناءنا في دوامة كبيرة، بالإضافة إلى تكلفة المواصلات الكبيرة في حين نعاني من ضيق مادي كبير".




وكانت لجنة التربية والتعليم في مجلس دير الزور قد أفادت بأنّ عدد المدرّسين في مناطق سيطرة "قسد" بلغ في منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي خمسة آلاف و300 مدرّس ومدرّسة، وعدد المدارس الجاهزة لاستقبال التلاميذ نحو 450 مدرسة، وعدد التلاميذ نحو مائة وثمانية آلاف تلميذ وتلميذة. من جهتها، أفادت تقارير إعلامية بأنّ النظام حتى منتصف العام الجاري، أهّل 145 مدرسة تستقبل 50 ألف تلميذ، في حين أنّ عدد تلاميذ دير الزور كان يُقدَّر قبل عام 2014 بأكثر من 300 ألف تلميذ.