أهالي الموصل بين سندان الجوع ومطرقة الخوف

أهالي الموصل بين سندان الجوع ومطرقة الخوف

بغداد
آدم محمود
24 اغسطس 2014
+ الخط -

لا يجدُ سكانُ الموصل في العراق غير عبارة "الجحيم" لوصف حال مدينتهم التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" منذ يونيو/ حزيران الماضي.
بين ليلة وضحاها، غادرتهم الحياة وحاصرهم الموت. بات حلمهم الوحيد الفرار من وضع مأساوي.
حولهم أناسٌ نجوا من التنظيم، لكنهم عاجزون عن مساعدتهم، علماً أن المسافة بينهم ليست كبيرة.
ليس الخوف وحده ما يعانيه هؤلاء. بل الجوع والعطش والمرض. كل شيء آخذ في النفاد. المواد الغذائية والأدوية. ينتظر هؤلاء مصيراً مخيفاً. ويرى كثيرون أن الموت هو مصيرهم لا محالة.
لا خيارا ثالثاً. إما أن يقتلوا بنيران الجيش العراقي أو سيوف تنظيم الدولة الإسلامية. والهرب لم يعد خياراً سهلاً على الإطلاق. وحده الحظ يتحكم بأرواح المجازفين منهم.
لم يتمكن الجيش من الدخول إلى المدينة. ليس بمقدوره إلا إطلاق بعض الصواريخ عن بعد. فيما أخذ مسلّحو "داعش" مواقعهم في المدينة، وباتوا يسيطرون على جميع المنافذ. يحققون مع الجميع، وخصوصاً أولئك الذين يختارون الخروج منها. فإن أذنوا لهم، يبقى أن ينجوا من قصف الجيش.
يقطن علاء جميل في حي الوحدة وسط الموصل. لم يخشّ ذكر اسمه. أصرّ على ذكره. أراد توثيق معاناته وعائلته. فالحمل الجاثم فوق صدره بات أقوى من الخوف.
يقول لـ "العربي الجديد": "والدي جميل عواد يعاني أمراض القلب. والدتي رافدة ذنون تعاني من عجز كلوي ومرض السكري وارتفاع في ضغط الدم. أشقائي في حالة رعب دائمة. عمري 28 عاماً ولم أتزوج بعد أو أعرف السعادة كل حياتي".
هكذا بدأ حكايته. كان هادئاً. حتى بدا وكأنه يجلس قبالة البحر وليس في "جحيم الموصل". يُضيف أنه "يخشى على عائلته، إضافة إلى النساء والأطفال والشيوخ الذين نزحوا من القرى إلى المدينة حيث يسكن".
يلفت إلى أنه "لولا هؤلاء لحاول الخروج من الموصل مهما بلغت نسبة الخطورة. فالموت آت لا محالة". مع ذلك، لم يفقد جميل الأمل بعد. "أرفع رأسي إلى السماء وأناجي ربي".
يؤكد أن "العائلات التي نزحت في بادئ الأمر تمكنت من الوصول إلى مناطق آمنة بسهولة بسبب انهزام الجيش وانشغال المسلحين بتنظيم أنفسهم". لكنه اضطر إلى البقاء مع عائلته. "فالهرب يتطلب السير مسافات طويلة. وصحة والدي لا تسعفهما. فبقينا إلى جانب الكثير من العائلات".
ويشير جميل إلى أن "العديد من سكان الأقضية والأطراف نزحوا إلى المدينة"، مضيفاً أن بعض أقاربه "لجأوا إلى منزلهم. صرنا نتقاسم الرغيف والملابس وكل شيء".
لا يقتصر الأمر على عائلته. "فمعظم سكان المدينة استقبلوا أقاربهم النازحين في بيوتهم". ويضيف ساخراً: "ينعتنا أهالي بغداد بالبخل. ربما هي فرصتنا لنثبت العكس".
يضيف جميل: "كل شيء هنا نفد أو يكاد ينفد. الغاز، المياه الصالحة للشرب، المواد الغذائية، وحتى الأدوية. بقي القليل من المواد الغذائية المعلبة وبعض أدوات التنظيف في عدد من المحال التجارية".
ينتقل للحديث عن القوانين التي فرضها تنظيم الدولة في المدينة بعد سيطرته عليها. يقول: "يفرضون على المرأة المتزوجة النقاب الأسود، وعلى غير المتزوجة النقاب الأبيض. اللون يساعدهم على التفريق بين المتزوجات والعازبات، ويصبح سهلاً عليهم إجبار العائلات على تزويجهم بناتهن".
يتابع "لذلك قررنا إبقاء النساء داخل المنازل. لا يخرجن إلى السوق أو أي مكان آخر. ويتكفل الرجال بكل شيء. يخرجن فقط إذا اضطررن للذهاب إلى عيادة الطبيب أو ما شابه".
ويبيّن جميل أن "عناصر داعش تعرضوا لعدد من النساء كن بصحبة أزواجهن أو أبنائهن أو إخوتهن. طلبوا منهن ارتداء النقاب وهددوهن بالقتل إن لم يطعن أوامرهم، علماً أنهن كن محجبات ويرتدين ملابس طويلة وفضفاضة".
استغاثة يحاول أهالي الموصل باستمرار إيصال أصواتهم ونداءاتهم إلى الحكومة والجيش والمنظمات الإنسانية والصحافيين في كل بقاع الأرض، من أجل الحصول على المساعدة، والتخلص من الجحيم الذي يحاصر مدينتهم.
يقول جميل: "لا أحد يستجيب لنداءاتنا. حتى أننا لا نحصل على المساعدات الإنسانية. فلا أحد يجرؤ على القدوم إلينا". من جهته، يقول الناشط في مجال حقوق الإنسان وليد عبد الهادي إن "جميع المحاولات لإدخال معونات لسكان الموصل باءت بالفشل"، مضيفاً "الجيش متعاون معنا إلى حد كبير لكن عناصر تنظيم الدولة يقتلون من يدخل إلى المدينة".
ويلفت إلى أنه "لا يزال على اتصال بأصدقائه في الموصل، الذين ينقلون له معاناتهم".
من جهته، يقول عباس خليفة، وهو أحد الذين نزحوا من الموصل، لـ "العربي الجديد": "خرجت قبل أسبوعين من الموصل برفقة زوجتي. كنتُ أقود سيارتي الزراعية. كلّما يوقفني عناصر من داعش للسؤال عن وجهتي، أخبرهم أنني ذاهب إلى هذه القرية أو تلك حيث أقطن. يطلبون مني الوثائق الرسمية لإثبات هويتي وهوية زوجتي وملكيتي السيارة. مرّ كل شيء بسلام، وخصوصاً أنني أعرف المدينة جيداً. حتى أن زوجتي ارتدت النقاب. كما أطلقت لحيتي منذ سيطروا على المدينة، وارتديت الزي الإسلامي".
يروي خليفة أيضاً أنه خلال نزوحه إلى كركوك، رأى جثثاً مرمية على الطرقات. يقول "استطاعوا الفرار من داعش لكنهم لم يسلموا من قذائف الجيش".
وتجدر الإشارة إلى أن "داعش" سيطر على الموصل في 10 يونيو/ حزيران الماضي، وقد انسحب الجيش العراقي إلى إقليم كردستان من دون أن يتصدى له.
في السياق، يقول الضابط علي العبيدي، الذي كان متمركزاً على تخوم المدينة حينها: "نواجه عدواً شرساً. وتكمن صعوبة التغلب عليه في كونه يتمركز بين الناس الأبرياء. لذلك، ليس أمامنا سوى فرض الحصار وانتظار الدعم الدولي، ولا يمكننا المجازفة والدخول إلى المدينة. فهذا يعني إراقة دماء المواطنين".
ويضيف العبيدي: "نعلم أن أهالي الموصل يعانون الجوع ونقصاً في الأدوية وانعدام الخدمات. تصلنا مناشدات مستمرة من السكان. لكننا على ثقة أن الأزمة لن تستغرق وقتاً طويلاً. كما أننا ندرك أن نيراننا قد تطال أبرياء يحاولون الهرب إلى خارج المدينة. لكننا نوجه ضرباتنا إلى التنظيم الإرهابي ولا نقصد قتل المواطنين".

ذات صلة

الصورة

مجتمع

كشفت وزارة الصحة العراقية، في ساعة متأخرة من ليل أمس الخميس، عن أرقام جديدة للإصابات بالكوليرا والحمى النزفية تظهر ارتفاعاً في الحالات، مع تسجيل وفيات بين المصابين نتيجة مضاعفات المرضين، وذلك بالتزامن مع دخول البلاد في موجة وبائية خامسة..
الصورة

منوعات

مع تزايد شح المياه والجفاف في نهري دجلة والفرات وما يتفرع عنهما، أطلق ناشطون عراقيون ومتخصصون في البيئة وصحافيون حملة عنوانها "#العراق_يموت_عطشاً"، ضمن مساع للضغط على حكومة بلادهم للتحرك تجاه طهران وأنقرة، لبحث هذا الملف.
الصورة

مجتمع

تعدّ مهنة القصَّخُون واحدة من المهن أو الفنون الثقافية الشعبية المتوارثة في مدينة الموصل العراقية، وقد ظهرت منذ العهد العثماني لكن انتشار الراديو والتلفزيون ساهما في اندثارها تدريجياً منذ ستينيات القرن الماضي.




الصورة
Getty-Commemorative ceremony for Qasem Soleimani in Tehran

سياسة

القسم الثاني من السيرة الذاتية لـ"فيلق القدس"، الذراع الخارجية الضاربة للحرس الثوري الإيراني، والعنوان الأبرز في الخلافات الإقليمية والدولية مع إيران بشأن سياساتها الإقليمية.