أن تكون أفريقياً في إيطاليا

09 نوفمبر 2019
الصورة
كوصّي كوملا-إيبري، 2015 (تصوير: جوزيبي بيليني)

كل أفريقي يعيش في إيطاليا لديه ذخيرة غنية من المواقف، ليست بالضرورة تمييزاً عنصرياً مباشراً أو متعمّداً، ولكن هذه الحوادث من العنصرية التي تقع في كثير من الأحيان صدفة أو لمجرّد الفضول، لا تمرّ من دون أن تترك أثراً سيئاً في نفس من تعرّض لها.

كوصّي كوملا- إيبري، المولود في توغو عام 1954، يقيم في إيطاليا منذ عام 1974، وكان قد درس الطبّ في جامعة بولونيا عام 1982، وتخصّص في الجراحة العامة في جامعة ميلانو. وبعد أن مارس هذه المهنة لأكثر من أربعين عاماً في "مستشفى إربا"، في أقصى الشمال الإيطالي، أُحيل إلى التقاعد، وهو يشغل وقته الآن بالعمل كوسيط بين الثقافات في مجالَي التعليم والصحة.

ورغم أنه يعيش في إيطاليا منذ قرابة خمسة وأربعين عاماً، لا يُخفي كوملا - إيبري أنّه يحلم بالعودة إلى بلده توغو ليعيش، كما قال لـ"العربي الجديد"، على هامش أمسية عن أدب المهاجرين، مثل المسنّين الأفارقة، يجلس لساعات طويلة في ظل البيوت المبنية من القشّ والطين، ويروي للأطفال تجربته الحياتية الطويلة، فالسرد الشفهي، كما كرّر في أكثر من أمسية أدبية، ما زال يشكل العمود الفقري للثقافة الأفريقية.

خلال هذا المدة الطويلة التي قضاها كطبيب في منطقة لا يتقبّل سكانها الأجانب بسهولة، تعرّض كوصّي كوملا-إيبري إلى مواقف كثيرة "محرجة"، لا شكّ أنها تركت جراحاً لا تندمل بسهولة في حياته، وربما دفعته هذه المعاناة لأن يبثّ شجونه، بأسلوب ساخر، عبر حوادث وقعت له شخصياً، أو سمعها من أصدقاء يتقاسمون معه نفس "المحنة"، أي أنّ لون بشراتهم مختلف عن الآخرين. وقد نحت لهذا الغرض اسماً مركّباً "Imbarazzismi"، يجمع بين الحرج Imbarazzo والعنصرية Razzismo، وقد لاقى استحساناً كبيراً من قبل القرّاء والنقّاد، وارتأت وزارة التربية الإيطالية إدراج بعض من هذه المواقف في كتاب المطالعة المقرَّر للمرحلة الإعدادية، لعلّ وعسى!

وأكثر ما يثير الدهشة في هذه المواقف، هو التركيز على المركزية الإثنية. يقول كوملا- إيبري في هذا الصدد: "ذات يوم، خلال لقاء حول التعدّدية الثقافية في إحدى المدارس، طلبتُ من التلاميذ أن يعطوني تعريفاً لمصطلح "العنصرية". صاح أكثرهم نشاطاً، فوراً: العنصري هو رجل أبيض لا يحبّ الأسوَد! حسناً! قلت، والرجل الأسود الذي لا يحبّ الأبيض؟ نظروا إليَّ منذهلين، وكأن تعابير وجوههم تقول: وكيف يسمح الرجل الأسوَد لنفسه بألّا يحبّ الأبيض؟!".

في هذا الكتاب، وهو الثاني في هذا المجال، يواصل كوملا-إيبري استعراض مواقف مثيرة للقلق من الحوادث اليومية للعنصرية الهوجاء، التي تبعث في كثير من الأحيان على الحرج الشديد، وقد اخترنا منه هذين الموقفين، لعلّهما يكشفان النقاب عن بعض جوانب النمطية السائدة تجاه المهاجرين، بالأخص القادمين من القارة السمراء، ومواجهتها بالسخرية. سلاح لطيف، لكنه فعّال ضد العنصرية التي ازدادت باطّراد في الآونة الأخيرة مع وصول الأحزاب اليمينية المتطرّفة إلى الحكم في بعض الدول الأوروبية.


درسٌ في الجغرافيا

ذهبتُ ذات يوم إلى مدرسة متخصّصة في الجراحة على متن قطار من السكك الحديدية الشمالية. كنتُ جالساً على تلك المقاعد المُهْلِكَة وفائقة التسخين في الشتاء، لذلك كنت مضطرّاً لرفع أردافي بالتناوب، من جهة لأخرى، بغية الحصول على بعض الراحة.

كان الناس، كالعادة، يحتلّون جميع الأماكن الأخرى أوّلاً، وفقط عندما لا يبقى لديهم خيار آخر، كانوا يأتون رويداً رويداً للجلوس بجانبي. جلس رجل في الستّينات من العمر أمامي، وأدركتُ حالاً أنه كان يستعد للثرثرة معي، لذلك لجأت إلى كتابي هرباً من الاستجواب "البوليسي" المعتاد، مع استخدام صيغة المخاطبة المباشرة "أنتَ"، وأسئلة من نمط: من أين أنتَ؟ ماذا تعمل؟ وما هو دينك؟

هذه المرّة، وجدت نفسي أمام "مهاجم شرس"، بدأ حديثه قائلاً:

- هالووو أميركا!

التزمتُ الصمت الوقور.

- هل تفهم الإيطالية؟

أومأتُ برأسي بلا مبالاة، ولكنني لم أتمكّن من ردعه.

- أفريقيا؟

أومأتُ مرّةً أخرى بصبر، وهو، معتبراً استسلامي الظاهر موافقة ضمنية، استمرّ في محاكمته.

- أنتَ، من أيّ بلد أفريقي قادم؟

سمعتُ صوتي يجيب:

- توغو.

عموماً، عند هذا الحدّ، هناك من يقول: توغو؟ نعم، ولكن أيّ بلد؟ أيّة دولة؟ - أو أنه يُخفي جهله خلف -آه! - وكأنه استوعب الأمر، وهو يفكّر بلا شك في ماركة البسكويت الشهيرة "توغو".

بعد كل شيء، هُم على حق: كيف يمكن للمرء أن يهتدي في هذه القارة المُبَلْقَنَة إلى كلّ تلك الدويلات التي تُغيّر اسمها مع كل عطسة ديكتاتور جديد؟

وفي الوقت نفسه، التمع وجه جلّادي الفطن بابتسامة مشفقة، وبعد أن قطّب جبينه في صمت تأمُّلي ومتفاقم، صعد المنبر بحكمة قلّ نظيرها، وقال:

- آه توغو! ربّما في لهجتك تقول توغو، لكننا بالإيطالية نقول كونغو. هل فهمت؟ كونغو!

بالطبع فهمت و... شكراً على درس الجغرافيا.


■ ■ ■


مسألة ذكاء

عندما مُنِحْتُ الجنسية الإيطالية، ألمح لي الماريشاللو (مساعد أول)، رئيس قسم الكارابينييري (الدرك) في منطقتنا، كتعبير عن تهنئته، إلى أنه سيتعين عليَّ الالتحاق بالخدمة العسكرية.

- ماريشاللو، أنا ضد الحرب... كل الحروب.

- لا داعي للقلق! إنه مجرّد إجراء شكلي، نظراً لسنّك، يجب عليك فقط حضور الفحوصات الروتينية.

تنفّستُ الصعداء. وفي اليوم المحدّد ذهبت إلى الثكنة العسكرية. انتابني شعور بعدم الارتياح وسط كل هؤلاء الفتيان الذين وصلوا لتوّهم إلى مرحلة التَزغيِبِ، ولسوء حظّهم يجب أن يؤدّوا هذا الالتزام السخيف ليتعلّموا كيفية قتل البشر الآخرين.

أدخلنا فوراً شاب عسكري (ربما برتبة رقيب، لا أتذكّر) إلى قاعة كبيرة للإجابة على أسئلة الاستبيان. وخلال تفقّد أسمائنا، هدّدنا قائلاً: "التزموا الهدوء، وإلّا سيكون حسابكم معي عسيراً!".

ملأتُ بمنتهى الصبر الاستبيان الظريف الذي يحتوي على أسئلة متعدّدة الخيارات، من قبيل: هل سمعتَ صوتاً يقول لك: انهض واذهب لإنقاذ وطنك؟ أو هل تعتقد أن الناس سيكونون طبيعيّين وصادقين بدون الخوف من العقوبة؟ وغيرها من الأسئلة التي تبعث على الهذيان. جمع العسكري "واجباتنا المدرسية" وأخذها إلى الطبيبة النفسية.

بينما كنا ننتظر في الرتل، عراةً ما عدا السروال الداخلي، بانتظار الفحص الطبي لجسّ الأعضاء، سمعتُ صوت رجلنا العسكري يُدوّي في القاعة:

- كوزززي كووووم...

- نعم، أنا، أجبتُ لأمنعه من متابعة تشويه كنيتي بلا رأفة.

- الإجابة تكون: حاضر!

- حاضر! أجبتُ بخنوع.

- ماذا حدث؟ سألتُ وأنا أتبعه بتلك الحالة.

- الطبيبة النفسية تريد أن تراك!

- آه!

- نعم، لأنك... بالتأكيد لا تتقن اللغة الإيطالية: لقد أجبت على الأسئلة بشكل عشوائي، واتّضح أنَّ لديك معدّل ذكاء أعلى من المتوسّط... لذلك عليك تكرار الاستبيان.

- آه! حسناً! قلتُ، وللحظة بدا لي أنّني رأيتُ في الفناء ملاكاً أسودَ يضحك، يرتدي تنّورة من القشّ، مع عظم صغير في أنفه ورمح بيده، وهو يرقص على نقرات الطبل حول قِدْرٍ كبير على النار.


* تقديم وترجمة يوسف وقّاص

 

تعليق: