أن تعثري على ذاتِك

09 يوليو 2020
الصورة
(مانويلا كياروتينو)

في داخلكِ تعتمل رغبة شديدة لترك كل شيء خلفكِ والهرب. تُخفين خلال النهار هذه الرغبة، تفعلين ذلك منذ زمن، منذ أن اخترتِ أن تكوني شخصًا آخر... شخصاً يشبه الجميع، شخصاً يمكن أن نفهمه، ونحبه. لقد طلب منكِ هو ذلك وأنت صلّيتِ لأن تكوني كما يريد وأحياناً شعرتِ، بين ذراعيه، أنّ تلك هي سعادتكِ. ولكن بعد أن غدا الشَدّ أكثر إحكاماً، على نحو خلّف كدماته على النفس والجسد، تساءلتِ هل هذا هو الحب الذي تخلّيتِ من أجله على جلدكِ بين الأمواج؟

لا تريدين تركه، لا يمكنك فعل ذلك، تقنعين نفسك، يجب أن تسير الأمور على هذا النحو، أو سيستحيل كل شيء إلى عبث. إذن احرقي أحلامكِ، إلى أن تشرق الشمس في الأفق كجمرة متوهّجة توقد النار في البحر.

نارٌ تطالك وتلتهمك.

صوتٌ داخلك يصرخ للهرب وللعودة للعيش في جسدك. ليس الحب هو الذي يحكم عليك بالمعاناة، وليس الحب هو الذي يجعلك تتخلّين عن نفسكِ.

أمّا هو، فقد نسي الباب مفتوحاً، وكلّه يقين بأنه يمتلككِ، ممتلئاً بفخره، أنتِ تخرجين ببطء، حافية القدمين، كهرّة في جوف الليل. غيوم صغيرة، بيضاء كوسائد حريرية، تطفو في السماء، المياه مطرّزة بانعكاسات القمر الفضّية. تتنفّسين ذلك الهواء العليل وتتذكّرين فجأةً من تكونين. كفى كلمات ملقاةٍ على الوجه، كفى يدين ترتفعان بلا رحمة.

تخلعين ملابسك ببطء، يهب الريح في أذنيك وبين خصلات شعرك، كأنه مكالمة. تأخذين أوّل خطوة لك داخل الماء وتتنفّسين الليل، دقّات قلبك تشبه رشقات الرعد وقشرة جلدك عادت لتشعّ في الظلام. البحر يتغلغل في عينيك، يتسرّب على طول الحلق ويعيد لكِ النفَس وتلك الحرية المنسيّة.

نظرة أخيرة وحيدة إلى الأرض وإلى ماضيك، ثم ترفعين ذيل حورية البحر وتغمسين نفسك إلى الأبد في أعماق روحكِ.

 

* Manuela Chiarottino قاصّة وروائية إيطالية من مواليد تورينو، كرست نفسها كليا للكتابة بعد أن تخلت عن عملها في الإعلام الآلي. صدر لها عدة أعمال قصصية وروائية، من بينها " لعبة الرغبات" (Amarganta ، 2018)، حتى قبل أن نلتقي (Rizzoli، 2015)،  زهرة اللوتس (Buendia Books, 2020) حازت على جوائز أدبية عدّة في أدب الطفل والأدب النسوي آخرها " Verbania for Women 2019".

** ترجمة من الإيطالية: أمل بوشارب