أنقذوا مصر من الغرق

أنقذوا مصر من الغرق

18 مارس 2016
الصورة
+ الخط -
(مرحباً بكم في "مصر الجديدة".. الحلم الذي حققه أبناء هذا الشعب، بعد أربع سنوات من الأمل والكفاح.. إن المصريين يتطلعون الآن نحو المضي قدماً على طريق الرخاء). تجد هذه الكلمات على صفحة وزارة الاستثمار ممهورةً بتوقيع المسؤول الأول عن ما آلت إليه الأحوال في مصر، والتي انتقلت من أمنية الرخاء المنشود إلى مجرد التطلع إلى بقاء الدولة، أو على الأقل شكل الدولة.
لا تخفى على أحد مشكلة العملة الأجنبية في مصر، والأمر قد لا يحتاج إلى خبير اقتصادي، ليتوقع ذلك القرار الذي تم اتخاذه، أخيراً، بخفض قيمة الجنيه المصري فجأة بنسبة 14%. ولكن، ما يحتاج إلى خبراء ومتخصصين، وربما لمكتب النائب العام والقضاء، هو الرد على التساؤل المهم: لماذا أقدم محافظ البنك المركزي، في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، على تخفيض سعر الدولار إلى 7.73 جنيها، بعدما وصل رسمياً إلى 7.93 جنيه في عطاء يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول، مع زيادة هذا السعر في سوق الصرافة الحر وتجاوزه الثماني جنيهات؟ ومع توقع الجميع زيادة قيمة الدولار رسمياً، ليواكب سعر السوق كان القرار بالتخفيض، فلمصلحة من كان هذا القرار؟ ولربما يظن بعضهم أنه كان نوعاً من حيل (الفكاكة) المصرية، والتي تعطي رسائل غير واقعية، مظنة أن ذلك قد يخيل على حائز الدولار، فيسارع بالتخلص منه، خوف استمرار تناقص سعره في السوق، فكانت النتيجة ارتفاع سعره في السوق الحرة لتتعدى التسعة جنيهات، لكن الحقيقة أننا أمام عملية هدر للمال العام، مع سبق الإصرار والترصد.
أدى خفض قيمة الدولار على غير الحقيقة إلى تحمل ميزانية الدولة خسائر بين 480 مليون جنيه و2.7 مليار جنيه من العطاءات الدولارية التي تمت منذ تاريخ التخفيض وحتى مارس/آذار 2016، والبالغة نحو 2.4 مليار دولار، منها 500 مليون دولار قبل أربعة أيام من خفض قيمة الجنيه بمبلغ 112 قرشاً، وهذا يتجاوز هدر المال العام، ليصل إلى عملية فساد منظمة، يمكن تدريسها في كليات المال والتجارة، بعنوان (فساد البشاوات عن طريق العطاءات).
ومعضلة الدولار في مصر لا تنفك عن الأزمة السياسية المزمنة منذ انقلاب يونيو/حزيران
2013، ولن يتم حلها دون حل تلك الأزمة، ولن تنفع المسكّنات، سواء كانت منحاً أو قروضاً أو تسول مساعدة المواطن الذي لا يجد قوت يومه، أو ترويج شهادات دولارية، ذات عائد مرتفع للمصريين في الخارج، أو بتكرار هتاف "تحيا مصر"، كما أنها أيضاً لن تكون بتعويم الجنيه الذي كاد يغرق، بعدما فقد خلال عامين ونصف نسبة 30% من قيمته منذ تاريخ الانقلاب، على الرغم من المنح التي قدّرتها وزارة المالية المصرية بمبلغ 124 مليار جنيه.
فتعويم الجنيه، والذي بدأه البنك المركزي، مجرد اعتراف صريح بالمشكلة، ووضعه في مكانه الصحيح، في ظل حالة اهتراء الاقتصاد الذي يعبر عنه وجود عجز في ميزان المدفوعات في الربع الأول من عام 2015/2016 بلغ نحو3.7 مليارات دولار، وعجز في الميزان التجاري في الفترة المذكورة بنحو 10 مليارات دولار، وزيادة الدين المحلي إلى نحو 2.1 تريليون جنيه في نهاية يونيو/حزيران 2015، وبلوغ الدين الخارجي 48 مليار دولار في التاريخ نفسه.
ومن غير المحتمل أن تتوقف مؤشرات الاقتصاد المصري عن الهبوط، طالما ظل العسكر يحكمون مصر، لأن المستبد لا يقبل رأياً آخر فيما يرى، فلا معنى لدراسات المختصين، طالما يرى الزعيم الأوحد أنه "طبيب الأطبة وفيلسوف الفلاسفة" الذي يتلقف زعماء العالم كلماته، ليتدارسوها فيما بينهم، كما أنه يشرّع للفساد ويحميه، وتتعارض مصالحه الاقتصادية الكامنة في اقتصاد العسكر مع مصالح البلاد، ولعل نسبة كبيرة من عملية فساد العطاءات، السابق الإشارة إليها، قد ذهبت إلى دولة العسكر الشقيقة، فلا يمكن لمحافظ البنك المركزي أن يقدم على تلك الخطوات، من دون ضوء أخضر من القيادة السياسية.
ويكمن الحل في وجود ثقةٍ ومصارحةٍ بين السلطة ومواطنيها، والعمل على رجوع الاستقرار السياسي الجاذب للاستثمار، وهذا لن يحدث في ظل استمرار اغتصاب العسكر للسلطة، وكبت الحريات وإنشاء مزيد من السجون، أو في ظل التصريحات والمشروعات الوهمية، من قبيل العلاج السحري لمرضى الإيدز بالكفتة العسكرية أو استصلاح مليون فدان، والنيل يشكو هجر مياهه، أو بناء مدينة جديدة ومليون شقة، في ظل دعوة (صبّح على مصر بجنيه)، أو القطار المكهرب ذي التذاكر المخفضة الذي لا يجد من يموّله، كما يحتاج الحل إعادة روح الانتماء للبلد، مع إيقاف سيل الفساد والسرقات، وعمل مصالحة مجتمعية، لن تتم إلا بعودة الشرعية المنقلب عليها لوضع مبدأ رئيس، هو أن للشعب إرادة يجب أن تحترم. ومن دون ذلك، لن يكون من المستغرب ظهور شعار "أنقذوا مصر من الغرق".