أنظمة تخاف كاريكاتير... وتتمرغ أمام عدسة الكاميرا الصهيونية

28 اغسطس 2020
الصورة
الزميل عماد حجاج أمام قصر العدل في الأردن (فيسبوك)
+ الخط -

عام 2009 تشرّفت بلقاء الزميل عماد حجاج، مبتكر شخصية "أبو محجوب"، في قاعة الشهيد كمال عدوان، في جامعة بيرزيت. كُلفت وقتها، مع زميلة أخرى، بإدارة ندوة لـ"مركز تطوير الإعلام" كان حجاج يتكلّم فيها عن حرية الصحافة ودور الكاريكاتير فيها.

قبل ذلك كنت أعرف "أبو محجوب" عن بعد، في زمن كانت فيه الصحافة الأردنية، في منتصف التسعينيات، تتجاوز شيئاً من عفن الرقابة العربية، ولو لفترة، حيث كانت "العرب اليوم" منبري من منفاي الأوروبي.

في بيرزيت، في تلك الندوة تحديداً مع عماد حجاج، كان مثيراً كيف اتحّد الحاضرون حول خطاب حجاج عن حق حرية الرأي والتعبير، متجاوزين خلافاتهم وانقساماتهم. لكن منذ تلك الندوة وحتى اليوم تلقّت حرية التعبير طعنات وخيبات سلطوية متتالية. وهو ما أوصلنا إلى أيامنا هذه، وإلى توقيف الزميل عماد حجاج.

فحين نقرأ أنّ كاريكاتيراً يعكس الواقع والتصريح السياسي للزميل حجاج عن التطبيع الإماراتي ــ الإسرائيلي، يثير كل هذا "الحرد" والتحريض، وتجند البعض فيه ــ حتى من "رفاق" المهنة ــ دفاعاً عن تكميم الأفواه، نُجبر على استعادة شريط ماضٍ عاشه جيلنا يوماً.

ألا نلاحظ أنّ العالم العربي اليوم يتراجع على معظم المؤشرات؟ حتى قياساً بما كان عليه زمن "حنظلة" ناجي العلي على الأقل؟ فما بالك بالكلمة التي أصبحت لا تطاق إن احتوت "لا"، أو شذت عن عقلية "القطيع"؟

إنّ تسييس الموقف  من السلطة الرابعة ليس جديداً. لكنه يتخذ أخيراً منهجاً مثيراً للاشمئزاز في وقاحته واحتقاره للعقل. فما هي جناية صحافي عبّر عن موقف بريشته؟

"الجناية" هنا أنه ليس عضواً في التطبيل للتطبيع مع محتل ينتهك يومياً حق الصحافي الفلسطيني، وشعب بأكمله. محتل يرى أنه يحق له "توراتياً" الاستخفاف بالعرب جميعاً، وما ذلك الهيام "الإعلامي" على شاشاته بعقول التطبيع، سوى مفردة في مسارات التقية المنافقة.

يعني، مقابل كل الردح الصهيوني للعرب والفلسطينيين، يراد من حجاج الانضمام إلى قطيع تقديس الزعيم والمحتل.

دعونا نرى الصورة كما هي، ولا يهم إن اقتنع محمد بن زايد، وحكومة "التسامح" و"السعادة"، وموكب المنتظرين للتمرغ بالاحتلال، أنّ صحافة الاحتلال لم تتردد في رسم العرب بأقل من رسم النازية لليهودي في ثلاثينيات القرن الماضي.  فحتى لو علقت مشانق للكلمة والكاريكاتير العربيين، فذلك لن يحقّق شيئاً من أحلام اليقظة لدى بعض المهرولين تطبيعاً.

وإذا كانت "وزارة التسامح"، وغيرها في ساحات عربية أخرى، تتصبب عرقاً أمام الكاميرا الغربية، فحري بزمن 2020 أن يعلّم البعض أن تجريم حرية التعبير وممارسة كراهية الذات، في استعراض منافق ومسيء للطفولة العربية، بنشر صور أطفال مرتدين علم الاحتلال، لن تجلب سوى عار آخر.

وإذا كان كاريكاتير حجاج في "العربي الجديد" يسيء إلى علاقة بلدين شقيقين، بحسب الاتهام الموجه إلى الزميل، فهذا يعني أنّ الطبطبة، بالتخويف، على واقع متناقض بعفونته هو المطلوب.

والسؤال الجوهري هنا هو عن هذه "الإخوّة"، التي صارت تعتبر طعن القضية الفلسطينية "وجهة نظر سيادية" وانتقادها "خيانة وجريمة".

فليت مُجّرمي حرية الرأي والتعبير يخبروننا شيئاً عن مسلسل التهافت الذي طاول ما يسمى "عرب الشمال"، شتماً وقذفاً، على صفحات بعض الصحف الخليجية. فهل لم يصب حمد المزروعي، وبقية رهط البذاءة، "الأخوّة" العربية بشيء، بعد كل ما دلقوه من سفالات الأعوام الماضية؟

الواضح اليوم أن ثمة تلاقياً بين أنظمة كراهية دور الصحافة وبين الاحتلال الذي يتغنى بـ"ديمقراطيته" صيادو الصحافيين والكلمة الحرة. فمن اغتال سليم اللوزي وميشيل النمري وحنا مقبل وناجي العلي، وقطع جسد جمال خاشقجي، وأخفى قسراً مئات الصحافيين العرب، الرافضين للترويض، يغرفون من ذات الصحن، المرتعد من انتشار الوعي لدى الشارع العربي.

والسؤال سيظل ماثلاً: أي عالم عربي يريده مراهقو المال السياسي؟

ليس ثمة جواب آخر غير أنه "عالم عربي" تتراص فيه الجثث، وتتحرك فيه أشباه أرواح بشر... فلا شك في أن المحتل، وداعميه في معسكر التصهين الغربي، سعداء بأنظمة كارهة للحريات وموغلة في دماء الشعوب، مهرولة في مشهد مبتذل إلى التطبيع لأجل كراسيهم وعروشهم... ليقال عاشرة: "نحن الديمقراطية الوحيدة في المنطقة".

المساهمون