أنطونيو غرامشي.. دفاتر من السجن العربي

27 ابريل 2015
الصورة
من إحدى الملصقات عن غرامشي

في زحمة الحراك اليساري في أوروبا، كانت إيطاليا في بدايات القرن العشرين مهمّشة، بسبب تأخّر نهضتها الصناعية من جهة، وبسبب اقتصار نخبها على شأنهم الداخلي. أنطونيو غرامشي (1891 - 1937)، كان جزءاً من هذا الوضع الثقافي الإيطالي، ولعله استفاد منه كونه طرح أسئلة مختلفة عن بقية المفكرين اليساريين، وبالتالي ابتكر مفاهيم بمقاييس مختلفة.

ففي حين هاجمت أدبيات اليسار مثقفي البورجوازية، بغرض أن تُهيئ المساحة للتنظير للمثقف اليساري مثل نبي جديد؛ نأى غرامشي بنفسه عن هذه الحسابات وقدّم معايير عامة منفصلة عن الزعامات و"المعبودات الإيديولوجية"، حيث طوّر مفهوم "المثقف العضوي".

من هنا، يمكن القول بأن غرامشي، مثل مفاهيمه، قابل للتحرّر من سياقه اليساري. ولعل مفاهيمه تساعد في فهم واقع عربي ينتشر فيه اليوم حديث عن إحباطات مشاريع التغيير وانتصارات الثورات المضادة. لكن، كما تنتصب أمام كل ثورةٍ ثورةٌ مضادة، يمكن أن تنتصب أمام كل هيمنة هيمنة مضادة، وغرامشي أحد من يقدّمون أدواتها.

لقد طمح ابن جزيرة سردينيا إلى انتزاع تربية الجماهير من أيدي الطبقات الحاكمة والمثقفين التقليديين الذين اعتبرهم "القتلة المأجورين للبورجوازية"، فانطلق يدرس البعد الثقافي من الهيمنة ليصل إلى مفهوم "الهيمنة الثقافية" (الهيجيمونيا في بعض الترجمات) أو مجموع وسائل الدولة لإخضاعٍ أكثر اقتصاداً للمجتمع.

يرى غرامشي أن "الدولة تقود المجتمع عن طريق القوة (القمع) كلما فشلت في قيادته عن طريق التراضي (العقد)"، أي أن الهيمنة الثقافية هي الأصل في ممارسة السلطة، ليصل إلى تعريف مفاده "الدولة = هيمنة محصّنة بالقمع". لقد أثبت، بهذه الأفكار المبسّطة، أن ممارسات مؤسسات مثل المدرسة والكنيسة والجريدة لا تقلّ قمعية عن مؤسسات البوليس والجيش والقضاء، وأن هذا البعد القمعي يتواصل في ممارسات أخرى مثل تخطيط المدن وأساليب تقسيم العمل. غير أن هذه الهيمنة ليست بلا مخرج.

هنا تخيّل غرامشي الصراع بين النخب كصراع لاكتساب مواقع الهيمنة، ليطرح ما سماه بـ"الاستراتيجية السياسية ذات البعد غير المرئي" أو ما اصطلح على تسميته بـ"فلسفة البراكسيس"، أي أداة "المثقفين العضويين" من أجل كسب "حرب المواقع".

نلاحظ القدرات التفسيرية العالية لمفاهيم غرامشي، وقد يرجع ذلك إلى تحرّره من الإيديولوجيا كتزييف للوعي، وجعلِها واقعية؛ فهو يصرّح بأن "هدف الحزب هو الهيمنة"، ويرى - حتى من موقع المعارض - أن مهمّة الدولة هي الهيمنة، وهذه المصارحة هي السبيل لنزع أقنعتها. هكذا يصبح الحديث عن الهيمنة، ليس انتقاداً للدولة، بقدر ما هو تحفيز للخروج من هيمنتها، وبحث وسائل ذلك في المجال المتاح للفعل.

يعيش العالم العربي هيمنة ثقافية مركبة؛ هيمنة الدولة على المجتمع (بالوضع الذي قرأه غرامشي) إضافة إلى هيمنة لا يمكن فصلها عن الأولى، وهي هيمنة السياق العالمي على الدول. ولقد تطوّرت الهيمنة بتطوّر تقنياتها وتوسّعت في استراتيجياتها في الاتجاهين.

يلاحظ مؤلف "المتلاعبون بالعقول" هربرت شيلر في كتابه "الهيمنة الثقافية والاتصال" أن ثمة بنية دولية للهيمنة أجبرت كل المجتمعات تقريباً على الدخول إلى حظيرة النظام العالمي. يتم ذلك، بانتقاء فئة تقدّم لها الامتيازات (تسهيلات مالية، ارتباط بشبكات دولية، تعليم أرقى..) ويستعمل ضدها ضغط مدروس، كي تقوم بتشكيل هيمنة ثقافية في الداخل تكون متسقة مع قيم المركز.

رغم أنه يشرح ميكانيزماً خاصاً بإيطاليا في بدايات القرن العشرين، إلا أن قراءة غرامشي تتقاطع مع الوضع العالمثالثي، مع تركيب مُعطى ضغط النظام العالمي. كتب غرامشي في دفاتر من السجن "تنزع الدولة دائماً لخلق ريعيّين جدد، أي إنها تشجّع الأشكال القديمة للتراكم الطفيلي للمدخرات". إذا قمنا بانتقاء أي دولة عربية بصفة اعتباطية، سنجد أنها ترعى هؤلاء الريعيّين الجدد في شكل نخبة اقتصادية طفيلية ليسوا سوى وكلاء للمنظومة العالمية.

ونحن نطرح مسألة الهيمنة الثقافية التي ظهرت لدى غرامشي في فترة ما بين الحربين، نتساءل: لماذا تظل الدولة قادرة على فرض هيمنتها؟ يمثل فرض الهيمنة تحدّي الدولة الرئيس، وهي تشتغل عليه في خطّين متوازيين؛ بتطوير أدوات الهيمنة الثقافية وتعقيدها (العلم، الفكر، الفن..) من جهة، وتجميد الصراع ومنع وقوعه من جهة ثانية.

حين ننقل السؤال السابق نفسه إلى العالم العربي، فلا بد من تحويره؛ إذ كيف تظل الدولة قادرة على فرض الهيمنة دون أن تطوّر من أساليبها أصلاً؟ بعبارة أخرى، كيف تستمر الهيمنة بأدوات تقليدية مكشوفة للوعي الشعبي؟

إن الواقع الذي أفرزته الثورات والانتفاضات العربية يندرج في أطر هذا التساؤل. في مصر، يدل استعمال القمع السافر على الفشل في تطوير أدوات الهيمنة الثقافية. وفي تونس، استعملت الديمقراطية كغطاء لإرجاع منظومة الهيمنة الثقافية لتعود للاشتغال كما كانت، رغم إفلاسها، إذ لم يتبلور بديل بعد.

بعبارة أخرى، استعملت بقايا أجهزة الهيمنة الثقافية في إقناع الشعب بأن الهيمنة الثقافية القديمة هي وحدها الممكنة. في كلا الحالتين، لا يمكن تفسير استمرار "نجاح" الدولة في هيمنتها إلا بمباركة النظام العالمي واستيراد خبرات الغرب في الهيمنة الثقافية. بالنسبة لنخب الحكم اليوم، ليس هناك سهولة في استعمال وسائل الهيمنة، ولكن هناك قدرة على تجميد الصراع. وهكذا، فلم يبق سوى "حرب المواقع" ذات النّفس الطويل كمَخرج، وهو وضع نظّر له غرامشي أيضاً، ما يمكن اعتباره بعداً تفاؤلياً أساسياً في فلسفته.

لا جدال، بأنه تنقصنا اليوم في بلادنا العربية عدّة مفاهيم ذات قدرة تفسيرية تعرّي هذا الوضع. وبالعودة إلى غرامشي، يتحقق التاريخ في النهاية عن طريق الشعوب، وليس من خلال المثقفين، رغم أن صراع الهيمنة يقع في منطقتهم وبينهم. لكن التغيير، تطبيقاً لـ"فلسفة البراكسيس"، لا يحدث قبل تشخيص ما يعيق السير إلى الأمام ودون نضوج الفكرة والرؤية والأدوات.

ومن أجل أن تتخلق وتنمو إرادة جماعية لا بد من الكشف عن الشروط اللازمة لذلك. وإن غرامشي يطمئننا بأن "الإرادة دائماً ما تجد الأداة الصالحة لتحقيق التغيير".

يكون الواقع جاهزاً لتقبّل التغيير منذ أن يضع على عينيه نظارة المفاهيم المناسبة. مفاهيم ذات قدرة تفسيرية عالية، تلك التي تنقصنا في عالمنا العربي. ومن أجل تطويرها، ينبغي أن ننظر إلى المعركة الطبيعية مع "حراس الوضع القائم"، والتي لا تحدث للأسف. وهي معركة غير مكلفة بالضرورة، إنها مجرّد "حرب مواقع".

كان غرامشي يقول: "إن تشاؤم العقل لا يقاومه إلا تفاؤل الإرادة"، فلم نعد نحتاج سوى إلى "حماس جدّي وإرادة قوة ترتفع إلى شكل راق من الثقافة لتصوّر العالم".

تعليق: