أنجيلا ميركل... المستشارة التي اجتازت أزمات أوروبا واللاجئين والأمن

24 سبتمبر 2017
الصورة
تتميز ميركل بحل الإشكاليات بهدوء وموضوعية ومسؤولية(بابلو بلازكيز دومينغويز/Getty)
لم يكن كثيرون من رجالات السياسة في ألمانيا يتوقعون للمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أن تستمر في منصبها على رأس المستشارية لمدة 12 عاماً. البعض كان يرى في تلك المرأة اللبقة والرصينة الكثير من الضعف والخجل. إلا أن نشاطاتها وطاقاتها كانت واضحة لمن عرف تلك الشابة في بداية حياتها السياسية. هي التي ترعرعت في كنف عائلة بروتستانتية لأب قسّ، تقول إنها عاشت في كنفه على المحبة والتواضع والانضباط ودماثة الأخلاق. وهذه الأسس كانت في ما بعد، قواعد أساسية في حياتها الجامعية والعملية. وبدأت شخصيتها تتبلور منذ أن بدأت حياتها المهنية في أكاديمية برلين الشرقية للعلوم، أيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية. ونمّت ما لديها من حسّ بالموضوعية والمسؤولية لحل الإشكاليات بهدوء. وربما يعود ذلك لعشقها للموسيقى الكلاسيكية.

تحمل ميركل شهادة دكتوراه في الفيزياء. وهذا الاختصاص يتطلب الكثير من المهارة التحليلية التطبيقية. تولت منذ عام 2005، منصب المستشارة لجمهورية ألمانية الاتحادية، بعدما خبرت الحياة الحزبية باكراً، عبر انخراطها في الحراك الديمقراطي الذي شهدته ألمانيا وأدى في عام 1989، إلى تطورات سياسية جذرية في البلاد. ومع عودة الوحدة الألمانية، انتسبت إلى الحزب "المسيحي الديمقراطي"، لتتدرج في المسؤوليات الحزبية وتتبوأ في عهد المستشار هيلموت كول، عرابها السياسي، مناصب وزارية، بينها وزارة شؤون المرأة والشباب ووزارة البيئة. وانتخبت في إبريل/ نيسان 2000، زعيمة لحزبها، ولا تزال تتولى المنصب حتى اليوم، بعدما أعيد انتخابها في المؤتمر العام للحزب في ديسمبر/ كانون الأول 2016.

استطاعت المستشارة تحقيق استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي، ما مكّنها وائتلافها الحكومي، من تعزيز موقع ألمانيا على الخارطة الأوروبية والدولية بعدما فرضت نفسها كشريك سياسي مؤثر على الساحة الدولية. ونجحت ميركل كأول مستشارة في تاريخ ألمانيا، وخلال فترة حكمها التي امتدت 3 ولايات متتالية، في إثبات قدراتها في موقع المسؤولية. وبات من المرجح استمرارها في منصبها مع تقدم حزبها في استطلاعات الرأي للانتخابات البرلمانية العامة المقررة اليوم الأحد. وهنا يلفت خبراء إلى ضرورة عدم إغفال أن ميركل استطاعت ليس فقط الاستفادة من قوتها، إنما من ضعف الآخرين في حزبها والأحزاب المنافسة في بلد يتمتع بحياة سياسية متنوعة.


طوال فترة حكمها، تمكنت المستشارة بتوجهاتها السياسية من تحقيق العديد من الإصلاحات الداخلية وعلى مستويات عدة، بينها الاقتصادية. واستطاعت تحقيق نقلة نوعية للاقتصاد الألماني، إذ بات الأول أوروبياً ومن بين أهم ثلاثة اقتصادات في العالم بعدما تمكنت البلاد من تحقيق نجاح اقتصادي بارز ونمو متواصل. وألغت ميركل الخدمة العسكرية الإلزامية، وحققت الكثير من المشاريع والرؤى الأساسية في مجال الابتكار والتكنولوجيا البيئية، إضافة إلى ملفات تخص الأسرة والتعليم. وهي في حوار دائم مع الولايات المحلية لمواجهة التحديات المشتركة للسياسة التعليمية وتحديد أوجه القصور الموجودة لتحسين جودة التعليم بهدف تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد وكفاءة مؤسسات الدولة في العديد من القطاعات، كشرط مسبق لاستمرار الرخاء بالمقارنة مع باقي الدول الأوروبية. وأعطت كذلك قطاعات الصحة والزراعة والخدمات أهمية كبيرة، ناهيك عن القرارات المتعلقة بالطاقة المتجددة والاتصالات، إضافةً إلى الملفات الأمنية والإرهابية. كما عملت وحكومتها على تعزيز الحضور الأمني في البلاد ومكافحة الجريمة الرقمية، في وقت لا تزال فيه المطالبات مستمرة من قبل مواطنيها بإصلاحات إضافية، خصوصاً في موضوع تصحيح المعاشات التقاعدية وتخفيض الضرائب وتحسين البنية التحتية وإصلاح النظام الاجتماعي.

في المقابل، واجهت صاحبة لقب أقوى امرأة في العالم لست سنوات متتالية، بحسب مجلة "فوربس" الأميركية، العديد من المطبات والأزمات التي كان آخرها ملف اللاجئين. وكانت مواقفها محط أنظار العالم عندما اتخذت قرارها الشهير عام 2015، بفتح الحدود الألمانية أمام الآلاف من اللاجئين الذين وصلوا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. وهي بذلك كسرت "اتفاقية دبلن" و"فضاء شينغن" والهدنة مع دول أوروبا الشرقية. وتمسكت بشعارها "نستطيع أن ننجز ذلك"، في إشارة منها إلى تفاؤلها بالتغلب على أزمة اللاجئين، ما تسبب لها بالكثير من الانتقادات من قبل المسؤولين السياسيين في البلاد، وأثار شكوكاً ونوعاً من عدم الثقة من قبل أعضاء حزبها. لكنها علقت على ذلك في أحد حواراتها قائلة: "أنا أكافح من أجل الطريقة التي أتصورها لخطتي، وأفعل ذلك بكل قوتي، وأنا لست المستشار الأول الذي اضطر أن يقاتل من أجل شيء ما"، وفق تعبيرها.

والخلاف بشأن اللاجئين تطوّر داخل الائتلاف الحاكم، بعدما تذرع المسؤولون بالتهديدات الأمنية التي من الممكن أن تتعرض لها البلاد في ظل تمدد التيارات المتطرفة في أوروبا. وهناك من عبّر عن القلق من الاختلال الثقافي والديموغرافي نتيجة استقبال اللاجئين. إلا أن ميركل تمكنت من تجاوز تلك المرحلة وواجهتها. وعادت وحزبها لتتصدر استطلاعات الرأي بعدما سيطرت وحكومتها على أزمة اللجوء، وذلك عقب رعايتها للاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي بهذا الخصوص، بالتزامن مع إغلاق طريق البلقان. واعترفت ميركل بحصول أخطاء في سياسة اللجوء. لكنها، شأنها شأن الكثير من السياسيين الألمان، مقتنعة بأن ألمانيا لا يمكن إلا أن تكون بلداً للهجرة على غرار كندا وأستراليا، من دون أن يعني ذلك إهمال مسألة الحفاظ على هوية ألمانيا.


وعلى المستوى الأوروبي، ومع الخروج المتوقع لبريطانيا من الاتحاد عام 2019، رتبت المستشارة الكثير من الخلافات. وقد جنبت اليونان الخروج من الاتحاد الأوروبي بعدما تم العمل على إعادة هيكلة ديونها. وساهمت في إنقاذ إيطاليا، ودافعت عن استقرار اليورو، وتمسكت برؤيتها لحلحلة ملف اللاجئين. وهذا ما تسبب لها بتباينات في وجهات النظر مع بعض الدول الأوروبية لا سيما الشرقية منها. وفِي هذا الإطار، دعت أخيراً في حديث إعلامي، إلى وضع معايير أوروبية مشتركة لإجراءات ومستحقي طلبات اللجوء لتنظيم الهجرة غير الشرعية، مع تأكيدها على أهمية حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وهي المقتنعة بأن أوروبا لديها مسؤولية مشتركة تجاه لاجئين مضطهدين أو يعيشون محناً كبيرة.

وباتت خبرة ميركل تخولها تقديم نفسها كقائدة لأوروبا جنباً إلى جنب مع حليفها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعدما كانت حاسمة في موقفها تجاه آلية خروج بريطانيا من التكتل. وساهمت مواقفها في الحد من تمدد اليمين الشعبوي في أوروبا، وساندت القادة الداعمين لفكر الوحدة الأوروبية. وهذا ما ساهم أيضاً في تخفيف العبء عن كاهلها بعد نجاح ماكرون، كمرشح وسطي في فرنسا، وفوز حزب "الشعب للحرية والديمقراطية" الليبرالي، بزعامة مارك روته، في الانتخابات النيابية الهولندية بشهر مارس/ آذار الماضي، وتولي روته بالتالي رئاسة الحكومة في هولندا، فضلاً عن وصول ممثل حزب "الخضر"، ألكسندر فون دير بيلين، إلى موقع الرئاسة في النمسا، أواخر عام 2016.

ويسجل لميركل أيضاً مساهماتها في وضع الخطوط العريضة وبالتعاون مع المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي، للعديد من دول أوروبا الشرقية المنضوية حديثاً في التكتل الأوروبي للالتزام بتعهداتها وبقوانين الاتحاد في مجال حقوق الإنسان، مقابل التعهد بتقديم الدعم المالي والعمل على مشاريع اقتصادية تنموية للحد من نسب البطالة المتفاقمة فيها.

ويرى خبراء في الشؤون السياسية الأوروبية أن المستشارة ميركل هي من أكثر زعماء العالم عقلانية، وتقف عند التزاماتها، متوقفين عند ما قالته بعد إعلان ترشحها لولاية رابعة: "لا يوجد أي شخص ولو كان يتمتع بخبرة كبيرة باستطاعته بمفرده أن يغير الأمور في ألمانيا وأوروبا نحو الأفضل". وهي التي توجهت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد انتخابه، وطالبته بالعمل على أسس وقيم مشتركة بين أميركا وأوروبا. واعتبرت أن استمرار "حلف شمال الأطلسي" مسألة وجودية، مشددةً على أن يكون للاتحاد الأوروبي بنيانه في المجال الدفاعي لكي تتقلص حاجة دول الاتحاد للحماية العسكرية الأميركية. وكان هدفها التخفيف من حدة المخاوف التي حلت بأوروبا عند انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة.

هذه المسيرة منحت زعيمة الحزب "المسيحي الديمقراطي" احترام وتقدير زعماء العالم، وهي التي آثرت دائماً وخلال الاجتماعات التي تعقد بين القادة ومنها قمة "مجموعة العشرين" في يوليو/ تموز 2017 بمدينة هامبورغ الألمانية، ألا تقلل من أهمية أي شخصية مشاركة في القمة. ومعروف عنها أنها تستطيع تدوير الزوايا بكثير من اللباقة من دون أن تمكّن شخصاً واحداً من الفوز في خياراته، من خلال سعيها الدائم لتحقيق أكبر قدر من توافق الآراء بين المشاركين الدوليين. وتستفيد، بذلك، من سمعتها كمفاوض صعب ومرن في الآن نفسه، وهو نهج تعلمته وأثبتته في مرحلة مبكرة من حياتها السياسية. وتقدم ميركل نفسها دائماً كقوة محركة لأوروبا، وتثبت في كل مرة على الساحة الدولية، أنها تتمتع بمهارة دبلوماسية في إدارة الأزمات، وبنظرة نقدية لكيفية تعامل المجتمع الدولي مع الملفات الساخنة والصراعات التي تهدد السلام والأمن الدوليين. وهذا ما تجلى أخيراً عندما انتقدت القدرات المحدودة لمجلس الأمن، بسبب إمكانية الدول الدائمة العضوية استخدام حق النقض، موضحةً أنه بات من المهم تطوير قدرات الأمم المتحدة لتفرض مساهماتها في حل النزاعات الدولية، مع تأكيدها على استمرارية مساهمة برلين في المنظمة الدولية. وأشارت إلى التعقيدات التي تواجه حل الأزمة السورية وعدم التوصل إلى موقف مشترك بهذا الخصوص. كل ذلك سمح لميركل بأن تقود نفسها إلى مرتبة من القادة الذين فرضوا هيبتهم على المسرح السياسي التاريخي الأوروبي وبصفتها رائدة المَجْمَع الأوروبي، لكونها أصبحت الأكثر خبرة بين قادته.