أم فارس.. بكت وحيدها حتى فقدت بصرها

28 مايو 2014
الصورة
14 عاما ممنوعة من زيارة ابنها (محمد الحجار)
+ الخط -

 
طوال 24 عاماً، عدد سني أسر وحيدها في سجون الاحتلال، لم تكف الحاجة أم فارس بارود عن البكاء على الشاب الذي غيّبه الاحتلال قسراً، إلى أن فقدت السيدة الثمانينية بصرها، وأضحت بلا سند إلا من أهالي الحي والمخيم.
تعيش العجوز الفلسطينية وحيدة في منزل صغير، بين أزقة "مخيم الشاطئ للاجئين" غربي مدينة غزة، وكل ما تتمناه اليوم عودة ابنها إلى حضنها بعد كل سني العناء والتعب.
منع الاحتلال الإسرائيلي الحاجة أم فارس من زيارة ابنها منذ فترة طويلة. فقبل 14 عاماً كانت آخر زياراتها له. ومنذ ذلك الحين تصنّف سلطات الاحتلال الإسرائيلي أم فارس على أنها "تهديد للأمن الإسرائيلي". تتساءل السيدة التي أنهكها التعب بتعجّب: "هل أنا أشكل خطراً على أمنهم؟".
تقول أم فارس لـ"العربي الجديد": "منعي من زيارة ابني آلمني كثيراً. ومنذ ذلك الوقت وأنا أبكيه. جفّت الدموع في عينيّ من شدّة حزني على فراقه".
لا تذكر أم فارس أنها ذاقت طعماً للأعياد أو المناسبات السعيدة خلال سني اعتقال وحيدها "لا عيد من دون ابني. أتمنى احتضانه مرّة وحيدة قبل مماتي".
وفارس بارود معتقل منذ 23 مارس/آذار 1991، ومحكوم بالسجن المؤبد بتهمة قتل مستوطن، ويقبع الآن في سجن "نفحة" الصحراوي.
كلّما أحسّت أم فارس بأمل لقاء بابنها تهيأت وتجهّزت، حتى إذا تبخّرت البشارة عادت لألمها. فقبل ثلاثة أعوام تلقت أم الأسير ضربة ثانية، أتعبت قلبها وزادت من حسرتها، وبدأ نور عينيها يتلاشى تدريجياً، عندما علمت أن اسم ابنها لم يدرج في صفقة "وفاء الأحرار" التي أبرمتها حركة "حماس" مع إسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2011. تقول: "أصبت بالإحباط الشديد حينها بعدما علمت أن اسم فارس ليس في صفقة "شاليط"، لم أستطع تحمّل الألم في قلبي".
قبل صفقة تبادل الأسرى، جهّزت أم فارس لابنها غرفته أملاً في خروجه. أرادت أن تزوّجه. كانت تعطّرها في كل صباح. تشرح: "كنت متأكدة أنني سوف أحضن ابني، لكن قدّر الله وما شاء فعل، لم تكتمل فرحتي برؤيته طليقاً".
قبل عدة أشهر، غمرت الفرحة قلب أم فارس مجدداً بعدما علمت أن وحيدها ضمن قائمة الأسرى القدامى المحررين الذين سيطلق سراحهم مقابل عودة السلطة الفلسطينية إلى المفاوضات. راحت تجهز غرفته التي أعدّتها قبل سنوات، وعادت تعطّرها من جديد، واستعدّ جيرانها وأقاربها لاستقبال فارس.

لكن فرحتها لم تكتمل، بعدما تنصل الاحتلال من إطلاق سراح أسرى "الدفعة الرابعة"، التي كان من المفترض الإفراج عنها نهاية شهر أبريل/نيسان. وقعت أم فارس منهارة، ونقلت إلى المستشفى، بعد صدمة أسقطتها أرضاً، وألزمتها المستشفى أسابيع عدة. ثم عادت إلى منزلها وحيدة وقد ابيضّت عيناها من الحزن، وفقدت بصرها كلّياً، وزادت مشاكلها بأورام أصابت رقبتها نتيجة التهابات في الغدد.
رغم الذي أصاب أم فارس، إلا أنها تشكر الله على حالها. وتحيا على أمل أن تحتضن فلذة كبدها في القريب العاجل. تقول بعدما رسمت على وجهها ابتسامة لطيفة: "عندي أمل أن يمد الله في عمري كي أحتضنه وأقبّله، سأبحث له عن عروس حين يخرج".