أم سليمان: كدتُ أفقد ولدي

أم سليمان: كدتُ أفقد ولدي

04 فبراير 2017
الصورة
العلاج الكيميائي أبيض أو أصفر أو أحمر(جان-فيليب سيازيك/فرانس برس)
+ الخط -

سليمان شاب مصريّ في التاسعة عشرة من عمره اليوم. والدته أم سليمان تروي حكايته مع مرض السرطان بدلاً منه، وتنقلها "العربي الجديد".

في صيف 2013، خبرت واحدة من أصعب محطات حياتي على الإطلاق، بعدما اكتشفت مرض ابني بـسرطان الغدد اللمفاوية. في البداية، لم نكن نعرف أنّه المرض الخبيث. كان سليمان في الخامسة عشرة من عمره، يخضع لامتحانات الصف الأول الثانوي في مدرسته، حين اشتدّ الألم عليه، بعدما كان يشكو لفترة من تنميل وخدر في خدّه. بعدما فرغ من امتحاناته، اصطحبته إلى الطبيب، فكان تشخصيه "التهاباً في العصب السابع في الوجه"، ووصف له مضاداً حيوياً ومسكّنات.

أسابيع قليلة، وبدأ يشكو من أذنه. فتوجّهنا إلى طبيب آخر، كان تشخصيه "التهاباً حاداً في الأذن" ووصف له جرعات حقن يوميّة لمدّة أسبوع. مضى الأسبوع، شعر سليمان بتحسّن، لكنّ الطبيب أوصى بحقن إضافية مع مضاد حيوي لعلاج الصديد (القيح).

ما هي إلا أسابيع قليلة حتى بدأنا نلاحظ تغيّراً ملحوظاً في وجهه، إذ انحرف صوب الأذن المصابة بالصديد. وصف الطبيب له جلسات كهرباء لعصب الوجه. خضع لعشر جلسات، لم تثمر أيّ نتيجة. فطلب الطبيب حينها صورة مقطعية للوجه والأذن، خصوصاً لمّا بدأ الصديد والدم يخرجان من أذنه.

اطلع الطبيب المعالج على التقارير وصور الأشعة، وقال: "أنصحك بعرضه على أستاذي. هو استشاري كبير وشهير متخصص في الغدد". في اليوم التالي، اصطحبت سليمان إلى الاستشاري. وما إن رآه، وقبل أن يطّلع على التقارير، قال: "مصاب بورم". وطلب سحب عيّنة لتحديد نوع الورم وكيفيّة علاجه. وافقت على الفور، فهنّأني. "أهمّ حاجة السرعة في العلاج لضمان أفضل النتائج إن شاء الله". سألته إذا كان من الممكن سحب العيّنة في الحال، فاستدعى طبيب التخدير. كانت هذه المرّة الأولى التي يدخل فيها سليمان غرفة العمليات الجراحية.

خلال العملية، أجرى الطبيب تنظيفاً كاملاً للأذن من الصديد والدم، وشعر سليمان بتحسّن فعليّ للمرّة الأولى. خلال ثلاثة أيام، ظهرت نتيجة العينة لتثبت وجود "ورم في الغدد اللمفاوية". فأوصانا الاستشاري بالتوجّه مباشرة إلى مستشفى سرطان الأطفال 57357 في القاهرة. فور دخولنا، أجريت له تحاليل بيّنت أنّ ضغطه مرتفع جداً، فأدخلوه الطوارئ خوفاً من أن يؤثّر ارتفاع ضغط الدم أكثر على وظائف الكلى. وبالفعل، خضع لعدّة جلسات غسيل كلى.




من الطوارئ إلى الرعاية المركزة حيث مكث 28 يوماً. لم أتمكّن من رؤيته ولا للحظة واحدة. الزيارة مُنِعت عنه كلياً. وبدأت رحلة العلاج التي استمرّت عاماً كاملاً، وبعدها كانت رحلة متابعة لمدّة عامين.

خلال العام الأول، خضع سليمان لكلّ أنواع العلاج الكيميائي.. الأبيض والأصفر والأحمر. سقط شعره بالكامل، وفقد أكثر من نصف وزنه. عندما دخل إلى المستشفى كان يزن 98 كيلوغراماً، وخرج منه مع 48 كيلوغراماً فقط. أمّا اليوم فيزن 70 كيلوغراماً، بعدما شُفي الحمد لله.

في تلك الفترة، كان يخضع لجرعات علاج مكثّفة، بواقع مرّتَين في الأسبوع، فضلاً عن 70 حقنة في الظهر وتحديداً في النخاع الشوكي لحمايته. فالورم كان قد اتّخذ مساراً سفلياً لجهة الظهر وليس علوياً لجهة الدماغ، وذلك من ستر ربنا علينا. والحمد لله تمكّن الأطباء من حصار الورم.

أخبرني الأطباء أنّ مرض سليمان جاء نتيجة جرثومة خارجية استهدفت الصديد المحيط بالأذن في ظلّ ضعف المناعة، خصوصاً أنّ لا تاريخ وراثياً مع المرض في عائلتنا. أمّا الأطباء النفسيّون فقالوا إنّه "خلال فترة العناية المركزة، كان قوياً وبطلاً، وقد ساعدته شخصيته في التماثل للشفاء سريعاً".

ما زلت أذكر كيف بقي صامتاً، عندما أخبره الطبيب بداية بأنّه مصاب بورم. بقي كذلك في البيت وفي المستشفى، وراح يقول لرفاقه وأطبائه المعالجين: "مش عاوز أتكلم مع حدّ. أنا عارف إنّي هنا علشان أتعالج وأخرج".

إلى ذلك، تعرّض سليمان لمضاعفات من جرّاء جرعات الكورتيزون. فقد أصيب ببعض الحروق في يده ووجهه، عولج منها لاحقاً لدى أطباء متخصصين في الأمراض الجلدية. بدلاً من أن يزداد وزنه نتيجة الكورتيزون، تضرّر جلده.

سليمان ولد قوي، وكان يعرف جيداً أنّ ربنا سوف يشفيه. تمكّن من تجاوز هذه السنوات بروح حلوة ومرحة. كلّ رفاقه وأطبائه في المستشفى يحبّونه، ويتذكّرونه كلما توجّه إلى المستشفى لصرف العلاج أو لإجراء الفحص الطبي الدوري مرّة كلّ ستة أشهر. وهذا أمر عليه القيام به لعامَين آخرَين، بعدما أكّد الأطباء المعالجون أنّ نسبة عودة المرض قد تلاشت.

اليوم، يتابع سليمان دراسته في هندسة الاتصالات، في واحدة من الجامعات المصرية الخاصة، يستمتع بحياته الجديدة. أتمنّى من الله أن يعوّضه عن سنين الألم الماضية.

المساهمون