أميمة الخليل لـ"العربي الجديد": ليس هنالك فنّ من دون موقف سياسي

25 مايو 2020
الصورة
تعلمت أنّ الفن للناس والجمال (فيسبوك)
تنتمي الفنانة اللبنانية أميمة الخليل إلى فئة الأسماء الغنائية العربية المميّزة داخل الوطن العربي، والتي أغنت مُخيّلة ووجدان المُستمع العربي، بطرب بسيط لكنه مُغاير، بحكم التجديد الذي يغمر صوتها الغنائي وقدرتها على الإقامة في تخوم إيقاعات مختلفة، دون خلق نشاز بصوتها لأذن المُستمع، إذْ نادراً ما نعثر على تجربة عربية التزمت بفنها وقضيتها في تحرير المخيال العربي، بأغانٍ حَالمة ومُتمردة على الأساليب الكلاسيكية في الغناء، مُحاولةً أن تخلق لنفسها آفاقاً فنية رحبة من خلال التجريب والغوص في التراث الفني والتوليف لإيقاعات مختلفة داخل أغنية واحدة، مع العمل على التكسير من نمطية الصورة للموسيقى العربية، والخروج بها من بوتقة الترفيه والاستهلاك. وهذا الأمر، يتبدى جيداً منذ بدايات مسارها الفني، والذي قطعته مع الفنان اللبناني مارسيل خليفة، إذْ حاولا ضخ دماء جديدة في شرايين الجماهير العربية ومفهومها للفن. عن حياتها وبداياتها الفنية مع فرقة "ميادين" وغيرها، حاورت "العربي الجديد" أميمة الخليل. 

لنستهل هذا الحوار من طفولتك في قرية الفاكهة (شرق لبنان)، كيف كانت وماذا تبقى في روحه منها؟
بيتنا، أصلي، مدرستي، إخوتي، الجيران، سهراتنا تحت ضوء القمر، كتاباتي الوجدانية، الجبل وكروم العنب والتين الذي قطفناه مع جدي، مسرح نهاية العام الدراسي والغناء، "أبونا حنّا"، وتعليمي الحركات المسرحية لاستعمالها حين أغني، هذه كلّها أمورٌ بقيت في روحي.

ما هي الخطوات الأولى التي قادتك إلى الغناء؟
تفاعلي مع أيّ صوت موسيقيّ أسمعه منذ عامي الأول، ومتابعة والدي لي وأنا أكبر، ليكتشف ما سرّ هذا التفاعل، وكان الاكتشاف.

هل كان هنالك أيّ تأثير من والدك أو والدتك في طفولتك على مسارك الفني؟
لوالديّ تأثير مباشر عليّ من خلال صوت أمي الشجيّ (وغالباً ما أبكاني) وعزف أبي على العود. وسهرات أصدقائهما في بيتنا، العامرة بالموسيقى والغناء. ولاحقاً إرادة أبي وسعيه لوضعي على خريطة الغناء العربي.

في بيروت التقيتِ بمارسيل خليفة، وانضممت إلى فرقته "الميادين" وأنت ما تزالين يافعة. ما هو شعورك اليوم تجاه تلك الذكرى؟
الذكرى محفورة في القلب، كنت مراهقة (14 عاماً) يرافقني موسيقيون مفعمون بالحماسة، في خطوة تسمى نوعاً من أنواع المقاومة، وأنا الأصغر بينهم، ولي مكان متقدم كمغنية منفردة. الصورة أمامي هي الجمهور والكواليس وحضور مارسيل الحنون.

كيف استطاعت أميمة الخليل الخروج من تأثير فرقة "ميادين"، واجتراح مشروع غنائيّ جديد؟
لم أكن أريدُ الخروج من مكان لطالما اعتبرته مكاني. كنت أريد أن أغنّي أكثر، وأستعمل هذا الصوت في أشكال موسيقيّة متعدّدة، لأغني سيرتي. ووجود موسيقي جاد ومقنع كـ هاني سبليني سهّل عليّ هذه الخطوة والدرب.

كيف تتأملين يومياتك في أواخر السبعينيات على خشبة المسارح العربية وأنت تصدحين بصوت فلسطين موسيقياً؟
فلسطين هي الأصل. فلسطين التاريخ والجغرافيا. فلسطين الوطن، كيف يغيب همُّها في حياتنا، وثمّة أناس يستبيحون أناساً آخرين في كل مفاصل إنسانيتهم، وهذا ما لا يمكن أن يُمْحَى أو يزول. إن قضية فلسطين حاضرة دوماً في صوتي وفي وجداني.

مع بداية التسعينيات، بدأ وهج الأغنية الملتزمة يخفت، أمام الاكتساح العارم للأغنية الترفيهية. كيف تنظرين إلى هذا التغيّر الذي حدث بين الأغنية الملتزمة والأخرى الاستهلاكية، وما مدى تأثير هذه الأخيرة على الذوق الموسيقي العربي؟
الموسيقى عالم غنيّ ومتشعب. وبالمجمل شعوبنا العربية، لا يُقدَّم لها ما تستحقه. التبسيط والاستخفاف بالذوق وصلا حداً يستطيع فيه أي كان ومن أيّ اختصاص كان أن يُنجز أغاني ويسجلها ويقدمها في ألبوم ويسمي نفسه "كاتب أغانٍ"، وهذا لا أشجعه، بل وأعتبره مضراً بالمستمع وبالمؤدي على السواء. الحديث هنا يطول وأقول لك حقاً: الصورة مُحزنة ومستفزة في الوقت نفسه.

كنتِ من أوائل الذين راهنوا على الشعر كبنية فنيّة مميزة للنص الموسيقي، كيف تم هذا الاتجاه صوب الشعر؟
علاقتي بالشعر كانت تمرُّ عبر خيارات مارسيل لمشروعه الفني. مع الوقت تطوّرت قراءاتي وكثُرت استفساراتي عن معانٍ وصُوَرٍ لم أفهمها. وهكذا أصبحتُ قادرة على تفكيك الصور الشعرية وخاصة اللماحة. أذكر أني كنت تلميذة عروض لامعة في دراستي، مما هوَّن عليّ لاحقاً فهم هذا الارتباط الوثيق بين الشعر والموسيقى.

ما مدى حضور تجربة الشعراء العرب الجدد داخل مشاريعك الغنائية الأخيرة؟
أنا مهتمّة جداً بما يقوله الشباب اليوم من شعر. وأجدني مسؤولة عمّا قد يبرز نبرة مميّزة عند شاعر شاب إن غنيتها. وهذا ما أحاول فعله في كل ألبوم غنائيّ جديد أنجزه، والأسماء زاخرة ولامعة وتعرفونها.

كيف نستطيع أن نميز بين الأبعاد الجماليّة والسياسية في ألبوماتك الغنائية الأولى مع فرقة "الميادين"؟
مع "الميادين" ومارسيل خليفة تعلّمت قيمة الكلمة والموقف إن غلّفته الموسيقى. تعلّمت أن الفن للناس وللجمال في آن. تعلّمت قول فكرتي والتعبير عن أفكاري وموقفي بعيداً عن الخطاب السياسي، لكن في صُلبه. إذ ليس هناك فن من دون موقف. ليس فناً ما لا يُخاطب الناس في أفراحهم ومآسيهم على السواء. مع مارسيل تعلّمت ألا أغنّي خطاباً سياسياً، بل أن أجعل من الغناء خطاباً قد يكون أوسع في السياسة وسراديبها البغيضة.

دلالات