أميركا ما قبل مقتل فلويد

09 يونيو 2020
الصورة
بعد اندلاع المظاهرات الحاشدة في الولايات المتحدة، احتجاجا على مقتل المواطن جورج فلويد على يد ضابط شرطة، قارن كثيرون بين تعامل الرئيس دونالد ترامب مع تلك الاحتجاجات وتعامل الزعماء العرب في أثناء ثورات الربيع العربي وبعدها، من قبيل اتهامه جهات خارجية بالوقوف وراء تنظيم المظاهرات، ومحاولة تشويه المتظاهرين واتهامهم بالتطرّف، وطلبه من حكام الولايات سحق الاحتجاجات بالقوة، بالإضافة إلى نفي البنتاغون (وزارة الدفاع) مشاركة الحرس الوطني الموجود في العاصمة واشنطن في إطلاق قنابل الغاز والرصاص المطاطي على المحتجين، وهو ما يعيدنا إلى روايات "الطرف الثالث" التي لجأت إليها الأنظمة العربية لنفي مسؤوليتها عن قتل المتظاهرين.
تلك الملاحظات في محلها، وعلى الرغم من أن أميركا لا تزال دولة مؤسسات، ولا يزال الرئيس يتعرّض لأشد موجات النقد والمساءلة من الكونغرس والصحافة والمجتمع المدني والمعارضة بشكل عام، إلا أن تلك المقارنة بزعماء العالم الثالث تبدو متأخرة بعض الشيء، إذ شهدت الأشهر الماضية تصرّفاتٍ قام بها ترامب، وتوضح مؤشراتٌ عديدة الضرر الذي ألحقه الرئيس بالمؤسسات الأميركية، وتحويل بلاده إلى نسخة من دول العالم الثالث، حتى وصلنا إلى هذا المشهد الذي يكاد يقرّب البلاد من الحرب الأهلية.
بدأت تلك التصرفات من اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدما ترامب البيت الأبيض، عندما
 أصدر قراراتٍ بتعيين صهره جاريد كوشنر كبيرا لمستشاريه، وابنته إيفانكا مستشارة له، وأطاح مسؤولين في البيت الأبيض بغرض التمكين لهما وإرضائهما، بالإضافة إلى ظهور ابنته إيفانكا المستمر في سفرياته ولقاءاته داخل أميركا وخارجها، حتى إنها جلست مكان والدها خلال الجلسة الرئيسية لقمة العشرين في هامبورغ، عندما غادر لحضور اجتماع آخر. وتفاخر ترامب بقدرات ابنته عندما كشف أنه فكر في ترشيحها لرئاسة البنك الدولي، وكانت حجته في ذلك أنها "تجيد التعامل مع الأرقام"!
جانب آخر من تلك التصرّفات يتمثل في التداخل غير المسبوق بين أعمال ترامب الخاصة ومهامه الرئاسية، إذ اختار أحد منتجعاته في فلوريدا لاستضافة قمة مجموعة الدول الصناعية السبع التي كان مقررا أن تعقد في شهر يونيو/ حزيران الجاري، قبل الإعلان عن عقدها عبر تقنية الفيديو كونفرانس بسبب تفشي فيروس كورونا. كما كشف عن إقامة طواقم تابعة للقوات الجوية الأميركية في منتجع لترامب في اسكتلندا، في أثناء الرحلات الجوية الطويلة. وفتح الكونغرس تحقيقا في إقامة نائب ترامب، مايك بنس، في فندق يملكه الرئيس في إيرلندا خلال زيارة له العام الماضي، على الرغم من ابتعاده بمسافة ثلاثمائة كيلومتر عن مقرّ اجتماعاته في العاصمة، وكشف كبير موظفي بنس أن ترامب هو من اقترح على بنس الإقامة في الفندق، إلا أن الأخير تملص من الأمر ونفى ذلك. وأيضا يزور ترامب أندية الغولف والمنتجعات التابعة له بشكل مستمر، ويعقد فيها اجتماعات رسمية، ويستضيف فعاليات جمع التبرّعات والوفود الأجنبية في الفنادق التي تحمل اسم عائلته. ويزور تلك المنتجعات باستمرار، ما يؤدي إلى إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين على أملاكه الخاصة. كما استغل ترامب حساباته على فيسبوك وتويتر من أجل ترويج كتاب من تأليف نجله، داعيا متابعيه إلى شراء الكتاب.
أما حاشية ترامب، فلم تختلف تصرفاتها كثيرا عنه، بإيعاز منه، فقد رفض وزير الخزانة أكثر من مرة تسليم البيانات الضريبية لترامب إلى الكونغرس، على الرغم من المطالبات المتكرّرة، ليلجأ الديمقراطيون إلى المحاكم لخوض معركة قضائية لإجباره على ذلك. وبالفعل، أصدر 
قاض حكما لصالح الديمقراطيين، ليصف ترامب قرار المحكمة بأنه "جنون"، ويهاجم القاضي قائلا إن أوباما هو من عينه! في تصرّفٍ غير مسبوق لرئيس أميركي تجاه السلطة القضائية.
كما تلاعب وزير العدل مرارا بتقرير المحقق الخاص، روبرت مولر، بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية، بعدما رفض الكشف عن محتوى أجزاء من التقرير، واكتفى بعرض أجزاء أخرى تهون مما حدث، وحاول تقديم ملخصات مضللة، كما رفض تقديم شهادته عن طريقة تعامله مع التقرير أمام مجلس النواب، مكتفيا بمجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون، حتى إن الوزير حاول أن يقلب الطاولة على التحقيق، مدّعيا أنه تم التجسّس على حملة ترامب، ليأمر الأخير بفتح تحقيق في تلك المزاعم.
ولم يكن الرفض وعدم التعاون هذا فريدا من نوعه، بل أصبح السمة المميزة لإدارة ترامب في تعاملها مع السلطة التشريعية، فقد طلب ترامب من مستشاره السابق دون مغان عدم المثول أمام الكونغرس للإدلاء بشهادته بخصوص التحقيق في محاولات ترامب إعاقة التحقيق بشأن التدخل الروسي في الانتخابات، كما رفض البيت الأبيض التعاون مع لجنةٍ في مجلس النواب بشأن التحقيق في التدخل الروسي، أو إمدادها بأي وثائق أو معلومات.
تصرّفات أخرى منوعة أوضحت رغبة ترامب في تقليد زعماء دول العالم الثالث، مثل شكره إذاعيا أميركيا شبّه صعوده إلى السلطة "بالمجيء الثاني للرب"، وإقامة عرض عسكري بمناسبة يوم الاستقلال، فضلا عن إعرابه عن أمنيته بإلغاء تحديد فترات الرئاسة في بلاده، ليستمر حاكما مدى الحياة، مثلما فعل الرئيس الصيني، شي جين بينغ، وتصريحه قبل انتخابه 
إنه لن يقبل بنتيجة الانتخابات إلا إذا فاز فيها، وتهديده بسجن منافسته هيلاري كلينتون، وطلب محيطون بترامب من الأسطول الأميركي إخفاء سفينة حربية تحمل اسم السيناتور الجمهوري الراحل، جون ماكين، عن الأنظار خلال زيارة ترامب اليابان، وهو ما دفع "البنتاغون" إلى الاعتراض على ذلك الطلب، ورفض تنفيذه.
كما كشفت مجلة بوليتيكو قبل عامين أن جدول أعمال ترامب اليومي يوضح وجود أوقات فراغ كثيرة تعادل ثلاثة أضعاف وقت العمل، ما يسمح له بفعل ما يريده، مثل التغريد ومتابعة التلفزيون والحديث مع أصدقائه! وأخيرا، حرص ترامب على التوقيع باسمه على الشيكات التي وزعتها الحكومة على المواطنين ضمن برنامج المساعدات المخصص لمواجهة تداعيات كورونا، بعد إنكار طويل منه وجود فيروس من الأساس.
الأخطر من ذلك كله ليس في تلك التصرفات فحسب، بل في نتائجها، لأن ترامب ينجح، في النهاية، في تنفيذ إرادته في أغلب الأحيان، وهو ما سيترك آثارا كبيرة على بنية الدولة ومبادئ الديمقراطية في أميركا والعالم، فقد برأه مجلس الشيوخ من تهمتي إساءة استغلال السلطة وعرقلة عمل الكونغرس (لم يكتف ترامب بذلك، بل أقال ضابطا في الجيش شهد ضده في التحقيق). كما حصل على حكم قضائي، يجيز له استخدام مليارات من أموال الجيش لبناء الجدار الحدودي مع المكسيك، وتوصل إلى اتفاقية جديدة بين بلاده والمكسيك وكندا، بعد تهديداتٍ عديدة أطلقها. كما نفذ ترامب إرادته في النهاية بعدم محاسبة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي، ولجأ إلى الفيتو الرئاسي لتعطيل قرار الكونغرس منع بيع أسلحة إلى السعودية بمليارات الدولارات، وأقال المفتش العام لوزارة الخارجية بسبب تحقيقه في مبيعات أسلحة للسعودية قبل عام. .. وحتى في المجال المجتمعي، حذر مقال لصحيفة واشنطن بوست من أن خطاب ترامب ترك أثرا في المدارس، إذ كشف عن مئات من حوادث التنمر استخدم فيها مفرداتٍ من خطاب ترامب المناهض للأقليات.
ولذلك كله لم يكن غريبا بعد هذا أن تشتعل الولايات المتحدة، ربما أكثر من أي وقت مضى، نتيجة ثلاثة أعوام ونصف العام من رئاسة ترامب الذي كان قد حذّر، في كلمة له أمام مناصريه قبل عامين، من أن أميركا ستصبح "دولة من العالم الثالث" في حالة عزله من الرئاسة، وها هي بلاده على أول الطريق، لتصبح من تلك الدول التي وصفها في يوم من الأيام، بأنها "حفر قذرة"!